31 C
نيويورك
يونيو 29, 2026
المستقبل 24

“لا رجال إلا رجال البحر”: محمد الخامس 1958

محمد قيصر (*)

يمكن تعريف البحر على أنه نقيض البر أو اليابسة. وهذه المقاربة اللغوية يمكن تطبيقها على المستوى الإجتماعي. فمسقط رأس الإنسان هو اليابسة، وعلى سطحها تكون عيشته وفيها يموت وتحتها يدفن. أما بالنسبة للبحر، فهو غريب عنه خصوصا في المناطق التي لا تطل عليه أو لشدة الرهبة التي تنتابه أثناء رؤيته أو ركوبه إلى درجة أنه اختلق أساطير وخرافات عنه.


فالمحيط الأطلسي مثلا كان يسمى بحر الظلمات. وسبب تسميته كما يقول ابن خلدون: ” إن البحر بعيد ولا تصله الشمس، ونظرا لقلة الأشعة الشمسية فإن درجة الحرارة اللازمة لتفكيك البخار المتصاعد من البحر تكون قليلة، فتتكاثف الأبخرة على شكل سحب قريبة من سطحه تحجب الضوء بشكل أكبر ويصبح البحر أشد ظلمة “.


تفصل مياه بحر الظلمات بين القارات:الإفريقية والأوربية وأمريكا الشمالية والجنوبية وبين القطبين الشمالي والجنوبي على مسافة 14 ألف كيلومتر ومساحة أكثر من 82 مليون كيلومتر مربع ويمثل 23 في المئة من سطح الأرض. كما يبلغ عرضه عند خط الإستواء 5000 كلم ويصل عمقه إلى 4000 متر.ويعود اسم المحيط الأطلسي الى إله يوناني يدعى أطلس كان الناس تعتبره إله الملاحة والفلك حوالي 450 سنة قبل الميلاد. أما بحر الظلمات فقد أطلقه العرب عليه لكثرة الكوارث والحوادث المميتة فيه.


وأمام شساعة المحيط وتعقد الظواهر البحرية والمناخية، كان لا بد للعلم أن يحل لغز بحر الظلمات . وهكذا شجع البابا على الإستكشافات البحرية في سنة 1481 م ووعد كل دولة أوربية اكتشفت منطقة ساحلية جديدة بحق التصرف فيها واستعمارها شريطة نشر الدين المسيحي في ربوعها. انطلقت الرحلات البحرية في سنة 1488 م وتميزت بتنظيم صفوف البحارة وتوزيع رتبهم ومسؤولياتهم وإضافة الأطباء والجغرافيين وانجازالمهام على أساس علمي.وقد توجت بوصول كريستوف كولومبس إلى أمريكا بعد 3 أشهر من السفر ظانا أنه وصل إلى الهند. كما تمكن فاسكو دي كاما من السفر حول إفريقيا للإلتحاق بالهند ثم الصين في 1498م. سنتين بعد ذلك، وطأ أمريكو فيسبوتشي البرازيل مؤكدا أن الأمر يتعلق بقارة جديدة سميت بإسمه.


في نهاية القرن 18 م، ظهرت مصادر جديدة للطاقة (الفحم ، البترول) وأشكال جديدة لدفع البواخركالمروحة. الأمر الذي خلق طفرة في النقل ، وشجع التصنيع و التنافسية وتقسيم العمل وأدى الى دينامية جديدة في الحضارة الأوربية.وتأكد دور البحر كصلة وصل بين الحضارات ووسيلة لنقل الإنتاجات الفكرية والعلمية والثقافية من أمة إلى أخرى. ونظرا لصعوبة الملاحة ومخاوف البشر من ركوب البحر، فإن البحارة هم من كان يتكلف بنقل كل ذلك. لقد لعب رواد البحر، وهو اللقب الأجدر تسميتهم به دور الوسيط بين رجال الدين والفلاسفة والتجار والمثقفين لما يتوفرون عليه من مادة رمادية وقابلية شخصية تستوعب جميع العلوم وتشمل مختلف مناحي الحياة. الأمر الذي جعل الربان يلقب بالسيد بعد الإله ويضفي على باقي رواد البحر سمعة تليق بمقامهم.


التاريخ لا يذكر من وهب حياته للبحر، ولو كان ينصف لأنصف رجالا من طينة مصطفى الزموري،البحار المغربي الذي ساهم في اكتشاف أمريكا. لكن للأسف، فالمغالطات التاريخية لا تسمح بمعرفة هذه الشخصية التي قدمت للأوروبيين الكثير أثناء حملات البحث عن الذهب .ولولا الجشع الامبريالي على المستويين الاقتصادي والفكري، لحظينا بشرف تسمية بعض الولايات الأمريكية الحديثة بأسماء مغربية تكريما لمصطفى الزموري من قبيل الريف ، أنفا ، أزمور ، دكالة ، أمزاب ، عبدة… كما كان من الممكن أن نسمع اسم الولايات المتحدة الزمورية انصافا لهذا المغربي الذي كان من السباقين الى الوصول الى القارة الجديدة .


أما على مستوى المغرب، فالتضحيات الجسام التي قدمها رجال المغاربة للاسطول البحري المغربي وللإقتصاد المغربي لا يمكن عدها ولا وصفها. وحتى في الوقت الحالي، لا زلنا نذكر أسماءا من قبيل القباطنة: قرية ،الحطاب ، أباحروز،عفيف، نبيل ، الشادلي ، أملاح ، العزوزي ، غصن، بن المرابط ، العفاني، صالحي ، خاخاي ، بوظهر، مطيع والمرشدين البحريين: المعزوزي، الأخوين اقصارة ، المحمدي ، المنصوري، ضوراس، رافوق ، وكبيري المهندسين: بن بلخير،الفاطمي، بلخير ،عبو،نظام ، الكوش ،خالص ، كنور، الزوهري، كوندا والقائمة طويلة. رجال قضوا عمرهم في خدمة الملاحة التجارية ومنهم من فضل تسخير خبرته البحرية في مجالات أخرى كبوزوبع ،فراطة ، الشاري ،جديوي ،حجام، بنعايشة، رشيق، الصافي.


هناك أيضا شباب حملوا المشعل ويمكن التنبؤ لهم بمستقبل رائع كهيبة الله ،أوزين ، حسني ،بوطيب ، الزعراوي، بانوج، غيور، الصفريوي، زعيزيع ، الشميطي، جيب، نموح، حافظ… كما أذكر النساء خريجات المعهد العالي للدراسات البحرية، نساء برتبة رجال ، قدموا صورة رائعة عن المغربيات الحرات أمثال: العسري ،المكدر، باعدي، العويدي، إحسان، بوشعبة، مربوح ، الحريري.
هؤلاء جميعا لم يخيبوا ظن المغفور له محمد الخامس في تلك الآونة وحتى اليوم، حين وقف طيب الله تراه من مقامه في المنصة التي مر أمامها أول فوج تخرج من رجال البحرسنة 1958 وقال كلمته الشهيرة : ” لا رجال إلا رجال البحر” ايمانا منه برمزية البحر وقيام عرش المملكة على المرتكز البحري ودور رجال البحر في التنمية الاقتصادية. المقولة الملكية يرويها البحار طلال الشرقي من أبناء اسفي الذي كان من بين البحارة المتخرجين في تلك السنة. وهكذا تمكن المغرب تدريجيا من تكوين أسطول البحري يحقق له الإكتفاء الذاتي في نقل سلعه بل ينافس دولا أخرى على المستوى القاري والدولي.

عبر هذا المقال ، أتوجه الى جميع الضباط ، رجال البحر بما تحمله الكلمة من معنى أن ينخرطوا في الدفاع عن هذا الميدان الذي يلفض أنفاسه الأخيرة لتنكر أبناءه له ، انشغالهم عنه أو تفريقهم عن عمد . لا يسعني إلا أن أنوه ببعض المجهودات التي قام به بعض الضباط للتعريف بالمجال البحري كإصدار كتاب للمرشد البحري رضا الماريقي حول حياته المهنية وكتاب آخرعن اللوجستيك للمتألق أحمد الوكيلي . كما احترم الضباط الذين وضعوا خبرتهم وتجربتهم رهن الأجيال القادمة قبل انصرافهم أو استعدادهم للتقاعد كالشبيكي ، الشميطي ،البرني ، امهاد ، نكيب ، الحظ ، البشتاوي.


الحقيقة أن بإمكان كل ضابط أن يقدم خدمة للقطاع بطريقته الخاصة وأن يضع بصمته في تاريخ الملاحة التجارية المغربية على شاكلة الضباط الغربيين الذين تركوا مؤلفات و مراجع مهمة انطلاقا من تجاربهم الميدانية. وهذا العمل يدخل في إطار آلية التسامي التي تعد وسيلة للإرتقاء بالذات وتنمية مهاراتها حسب نظريات علم النفس. كما ينم عن عقلية الكثرة أو الوفرة التي يتمتع بها الفرد والتي من بين مظاهرها التضامن والتشجيع ومد يد المساعدة حسب نظرية ستيفن كوفي ، الكاتب الأمريكي الشهير، مؤلف كتابي :” العادات السبع للناس الأكثر فعالية” و ” أولوية الأولويات”.


أما عقلية النقص التي من بين تجلياتها الانتقاد السلبي والمنافسة الغير الشريفة و التفرقة ، فلنا واسع النظر في تذكر بعض الوجوه من بني جلدتنا التي ساهمت في وصول الأسطول البحري الى هذه الوضعية.هؤلاء أكلوا يوم أكل الثور الأبيض على غرار القصة المشهورة للثيران الثلاثة الذين هاجمهم الأسد في البداية مجتمعين فعجز عن النيل منهم. ثم خطرت بباله فكرة مهاجتم بحيلة التآمر مع الثور الأحمر ثم الثورالأسود فقضى على الجميع في النهاية مستفيدا من تفرقهم وتشتتهم.

(*) الكاتب العام للنقابة الوطنية لضباط الملاحة التجارية