8.2 C
نيويورك
فبراير 21, 2026

الغزيوي بوعلي: عملية التحليل النفسي هي عملية إنسانية ودينامية داخلية تقوم على التفاعل والحوار وتلغي الدور المهيمن لحضور العامل الخارجي

إن وضع حدود للمفاهيم الموظفة يحتاج إلى كثير من الضبط ليستوفي مواصفاته كنشاط وكممارسة. إذ التحليل في نظرنا هو ممارسة مقيدة بشروط غير محددة وغير مسيجة وغير خاضعة لإنتقاء مسبق، ويحيل على برمجة مقصودة في التبليغ المنظم لحدود معرفة الدواخل كعملية لا ينبغي أن تكون عشوائية، وهو ما يسمح بالتأكيد على أهمية التقنين المنهجي في عملية التوظيف.


وانطلاقا مما سبق يمكن القول، إن عملية التحليل النفسي هي عملية إنسانية ودينامية داخلية، تقوم على التفاعل والحوار، وتلغي الدور المهيمن لحضور العامل الخارجي، فتدعونا إلى التجديد في طرائقه، كما تدعو إلى التساؤل المستمر عن جدوى كل فعل يقوم به في نشاطه الإبلاغي والتواصلي، والذي يمكن القارئ من امتلاك الخبرات اللازمة علميا وعمليا لمعرفة اللاشعور الجمعي الذي هو أساس العملية الإبداعية، والتي لا تعكس تجربة المسرحيين فقط، بل تجربة الإنسانية جمعاء ويقول “عز الدين إسماعيل”: “يجب أن ندرس الأدباء كأدباء بشر بحياتهم النفسية، وإنهم فنانون مبدعون تحركهم دوافع الفن السامية والتي تصطدم بدوافعهم ونزعاتهم الحياتية العادية، مما يعد ازدواجا في شخصياتهم من شأنه أن يعد الصراع داخلي ونفسي” . والإبداع يضع نفسه موضع تساؤل واندهاش، لذا نطرح السؤال هل انتهى الإبداع؟ وما علاقته بالمناهج النفسية؟ إن تتجاوز للمحكي وذلك البعد الموضوعاتي هو الذي يعطي للواقع الممكن تميزه وتنغيمه، تنغيم للأداء الجسدي وخلخلة لكل الانتقالات الذهنية والنفسية واللغوية، بلغة تمتلئ دوما بما يفيض عن بنيتها من دلالة إيحائية خافتة لا تسير في اتجاه واحد، بل تعكس الموضوع وتنأى عنه في اللحظة الراهنة، لتجدد شعريتها ولتكسر بها عادات النثر وثوابته، وتتداخل في هذه العوامل المعرفية والسلوكية والتقنية، ليتمكن الناقد من ممارسة دوره الحقيقي في ترجمة النص الإبداعي، مع إعطائه الفرصة الحقيقية للاقتراب من طبقاته المتنوعة، وبذلك تتشكل لديه معرفة بالمهارات المطلوبة من خلال مراعاة خصوصيات النص الإبداعي والبحث عن مستوى النقص المطلوبة من خلال مراعاة خصوصيات النص والبحث عن مستوى النقص والكبت والفصام والذهان والنرجسية والفيتيشية والشيزوفيونية… الأمر الذي يمهد لمعرفة ميول الذات المبدعة والانشغالات التي تستثير بدوافع التحليل والتلقي لدى الناقد، كما يفضي إلى التمكن من أدوات منهجية لمساءلة النصوص والاشتغال عليها في إطار منهجي هادف، وحتى لا يبقى هذا الوعي العميق مشتتا، فإن الناقد يعمل على تصحيح العلاقة التي تربط بين المبدع والنص من جهة، وبين النص والمتلقي من جهة أخرى، فهو تصحيح يقوم على اختراق أعين النصوص لأجل تلاؤم وتفاعل جاد ومثمر مع النصوص الأخرى، وبفضل القراءات الموازية والأنشطة النفسية المساعدة والعمل الجماعي والفردي المنظم. إذ لا يستطيع أي منهج تحليلي نقدي تحقيق الأهداف المتوخاة في غياب منهاج مضبوط، يأخذ بعين الاعتبار الأسس النقدية التي ينطلق منها ويراعي مضامينها المشخصة.


إن أي منهج لابد وأن ينطلق في مراحله الأولى من أسلوب تنظيمي محكم، يراعي التلاحم القوي بين الأهداف المستخلصة والوسائل والمعايير المطبقة، يفرض هذا على الناقد والمؤول خبرات متوحدة في رؤيتها وفي منهجها وفي أنساقها بقصد تحقيق أهداف تراعي خصوصية الذات المدركة والمدركة، لأنها تعتمد على فلسفة نفسية وتاريخية من جهة، ولأنها من جهة أخرى تنبثق من خطة متجانسة وتنظيم محكم وبناء متماسك. وهكذا فإن بناء تصور منهجي ينبغي أن يخضع للمواصفات والإجراءات .


من هنا تتحدد التجربة السيكولوجية في شكل إيقاعات مفتوحة على الممكنة والخيالات المختلفة وتحتمل تخريجات غير يقينية، كقضية تعويضية من كونها تقع في ملتقى نظري يضم نظرية الأشكال التعبيرية والتخييلية والنفسية والاجتماعية واللغوية … وغيرها من الإيقاعات التي تمد هذه التجربة بتوجهات ثقافية ومعرفية، والتي لها دورها في تقديم صيغ سيكودرامية لهذه الذات أو تلك، ولذلك فإن أي حديث عن علاقة علم النفس بالإبداع هو حديث عن علاقة التوجه من النظر إلى الممارسة ومن الهوية إلى الانتماء ومن الشفوي إلى الكتابي. هكذا تؤكد الأشكال الإبداعية بأنها عبارة عن محطات ومواقع مفتوحة ترمي إلى معرفة ثوابت هذا الفن أو ذاك الجنس التعبيري عبر متغيراته وتبدلاته، بموازاة التحديات التي تطرحها علاقتها بباقي التيارات الفكرية والإبستيمية، إن ميزة الإبداع عند “يونغ” وعلماء النفس نوعان: النوع الأول نفسي متعلق بالذات المبدعة أي بنفسية المبدع الخاصة، ويمكن تحديد مصدر هذا النوع التوليدي بالرجوع إلى نفسية المبدع كمصدر للإلهامه الفني والتعبيري.


أما النوع الثاني، فيتقاطع فيه اللاشعور الفردي كما عند “فرويد” و”لاكان” والمتمثل عند “يونغ” في ذلك الجانب المهول من عقل الكائن من جهة وكذلك اللاشعور الجمعي المتمثل في النماذج العليا أو الأنماط أو الموروث الإنساني وما يشتمل عليه من أساطير غابرة في الزمن .


وتبقى ميزة ذا التصور هو منح للنص الإبداعي المعالج سمة التعدد والتنوع، سواء من حيث الشكل أو من حيث الإيقاع النفسي أو من حيث المقولات المعرفية والبنيات الشخصية، لأن العمليات التنفيذية ترتبط مباشرة بالعمليات التوليدية، كإطار يستثمر فيه المبدعون المهارات والمعارف المرتبطة بالغايات بشكل خاص، وبالمنهج المطروح بشكل عام، وتتضمن هذه العملية كما قلنا تقييم ما وظفه المحللون النفسانيون في محطات القراءة، وما طبقه النقاد من أدوات منهجية لمعالجة المعلومات التي تسهل الفهم والإفهام، وتسمح لنا بالقدرة على تصنيف ذلك المكون الجوهري للقدرة النقدية، غير أن القدرة التصنيفية والنقدية ترتكزان على معايير التنظيم اللغوي والترتيبي والدلالي الشيء الذي يفرض تكوين نمذجة مرجعية تكون عناصرها مرتبطة بالخطاطات المسرحية والأدبية، ومؤشرات التعبير والتلفظ يبدو أن البعد التحليلي النفسي الذي يبلوره هذا السؤال يعتبر الطابع الإبداعي لهذا الفعل التجنيسي، وباستعادته لفكرة صعوبة التعريف المنهجي، بما أنه جنس مفتوح على أنظمة علاماتية ومعرفية وعلمية، يجعله عرضة للاختبار وللنقد من طرف العديد من الباحثين والمفكرين، ومن بين هؤلاء نذكر: “ميشيل فوكو” و”ألتوسير” … ففي ضوء هذا الطرح المنهجي يأتي التأكيد حول عدم علمية هذا المنهج، مما جعل الإبداع المسرحي بدوره لا يعتمد شروطا علمية، بل يحتاج إلى مغادرة التساكن بمفهوم “هيدجر” (للسكن) قصد الاقتراب من الإبداع الذاتي، هذا التوقع ليس بعيدا عن الضرورة الاجتماعية ولا التاريخية ولا الاقتصادية، ذلك أن طبائع الخصوصية ولا تتجدد خارج النص المعالج، ولا ما بعد التأويل والنقد، بل تتحدد في المواقف المضاعفة والمصاغة حواريا عبر ممارسات إبداعية أخرى، حيث إن الرصيد الجمالي والنفسي والاجتماعي ينبثق من خلال الصراع الداخلي الذي يعيشه المبدع المسرحي، حيث يسبب له الإحساس بفقدان التوازن أن يبحث دوما عن التجاوز والتحدي. يقول “يونغ”: “ليست الأزمات الاجتماعية فقط هي التي تعمل على قلقلة اتزان الحياة النفسية للفنان، فالأزمات النفسية الخاصة بالفنان أيضا بصرف النظر عن الأزمات الاجتماعية، فقد تعمل أيضا على هز استقراره واتزانه النفسي، مما يدفعه إلى استعادة ذلك الاتزان المفقود” .
يسعى هذا الطرح المنهجي إلى الإقناع، ليقدم البراهين التي تسمح للإبداع بأن يعلو لكي يأخذ مسؤولية الكشف والإظهار، وبناء كل المؤشرات التي توظف تلك الأخيلة، ولتعبر عن وجهات نظر في موضوعات محسوسة، فالتحكم النقدي إذن ينحو نحو إنتاج كتابي مزدوج: 1- تطبيق تقنية التوليد والاختزال. 2- قراءة مضاعفة تسمح بتطبيق كل الأدوات والمعارف، لمعرفة المعطيات النظرية والإيقاعية الداخلية بغية تسهيل تلقيها.


فتحديد المهمة التحويلية للنصوص الإبداعية، هي عملية حاسمة في تطوير الطبيعة النفسية وإغنائها. لذلك وجب أن تتم وتتأسس داخل شروط ضرورية، وبدونها ستكون التأويلات فاشلة وغير موضوعية، وأهم هذه الشروط: البعد النفسي والجمالي والاجتماعي. فداخل كل حقل من هذه الحقول يجب تحويل آلياته الداخلية إلى علم، وبدون ذلك لن يصبح النقد أبدا عملا متماسكا، وسيصبح بإمكان “كل جيل تقويض كل ما بناه الجيل السابق” .


إذن يجب أن تستند هذه المقاربات على فعل دينامي وحركي ممكن، لذا يجعلنا نقرب بين ما هو موضوعي وبين ما هو ذاتي، لندمج الكائنات المستعارة بعناصر الطبيعة السيكولوجية، كي يبقى العامل الحاسم في تعليل العملية الإبداعية الذي هو انسحاب اللبيدو من رموزه الاجتماعية التي كان متعلقا بها في الخارج، لأن هذه الأخيرة لم تعد تصلح لأداء مهمتها، وذلك لما أحدثه تصورات المجتمع، الذي تتحتم عن هذا الانسحاب دون أن يتجه اللبيدو إلى صلب الشخصية، ويحدث أحيانا أن يثير أعمق مناطقها ليبرز بعض كوامن اللاشعور، ويشاهدها الأشخاص العاديون في الأحلام، ويشاهدها أيضا العباقرة في اليقظة، حيث يتعلق أن الإبداع بهذا الوضع يعكس الارتقاء والتسامي بواقع ملغوم بتحريكات ذهنية لمعضلات اجتماعية ونفسية التي تكشف لنا عن ملابسات الذات الأسطورية والتراثية والنفسية …، لذا فمهمة المؤسسات الإبداعية هي تكوين مهارات كافية لتحقيق الغايات التي نبحث عنها في النص أو في العرض.
فالتحليل النفسي ينبغي أن يسبق النقد، لأنه يخضع لمبدأ حركي نفسي داخلي، ولقاعدة رئيسية التي تتحكم في عملية الولادة النصية، لأن القدرة على الفهم تعلمنا، كيف وظف هذا المنهج في الإبداع وفي الأدب؟ كيف وظفه الناقد المسرحي العربي والمغربي؟. أسئلة تنشر كثيرا من الأحكام حول أمور التوظيف لهذا المعجم، دون مراعاة منطق بناء المعارف الفلسفية والعلمية، ولا الشروط السيكولوجية. وهذا ما يقوي لدينا الأحكام والعيوب، نظرا للحذلقة الفكرية والنقدية التي يباشرها الناقد العربي دون وعيه بالشروط الإبستيمولوجية والسيكولوجية.