6.9 C
نيويورك
فبراير 21, 2026

بوعلي: المبدع يسعى دوما إلى الخلق والإبداع انطلاقا من إدراكاته وتمثلاته التاريخية والاجتماعية

هكذا فإن المبدع يسعى دوما إلى الخلق والإبداع انطلاقا من إدراكاته وتمثلاته التاريخية والاجتماعية إلى فهم وتأويل الوقائع السلوكية الذي يكون ذاته موضوعا لها، وذلك وفق تأويلات تحاول رصد مصدر الأحداث والوقائع التي تنتج الحتميات الصادرة من الأبطال والشخصيات. فالجانب الذاتي كما قلت هو صاحب الحق الأكبر في الدفع بالمبدع والناقد إلى الإبداع والمعاودة، لأن إشكالية الاختيار بالنسبة للناقد بين هذين التفسيرين تحتل مكانة كبرى في نوعين من مجالات التأويل داخل حقل علم النفس الاجتماعي . وتنطلق الكتابات النقدية التصويرية العربية في مقاربتها للعلاقة التي تربط علم النفس بالإبداع كسؤال كينوني منخرط في الأسئلة المنهجية، سؤال يسمو بنا للتأكيد على أن القراءة تشتمل على شيء من التواقت، لأنها تمتد بقوة مترقبة تريد الإلغاء أو التوظيف أو الهيمنة لتطرح كتابة موازية، تجسدها طقوس نقدية عبر الإنتاج التراثي، هنا نلامس الإكراهات التي تناسب في مع المقولات الفرويدية والأدليرية واليونغية واللاكانية … باعتبارها أنشطة ذاتية تمس تجليات المعنى الخفي والمضمر، وترصد الدلالة الإيقاعية لهذه الذوات، مما يدفعنا إلى الاهتمام ببطائقهم الرمزية وتركيباتهم الأدائية، قصد اكتشاف قاموسهم النفسي والأسطوري والتشخيصي. لأن الاكتشافات التي تمت في مجال علم النفس قد أظهرت أن البناء النفسي للكائن يمر كما هو الشأن بالنسبة للجسم بمراحل معينة، لذا فالإبداع بدوره اتخذ القواعد كصيغة تعمل على تقريب الذات من هذه المسؤولية التوليدية، هذا التقارب الذي اتخذه النقاد والفلاسفة عبارة عن ممارسة لا تراعي صفة اليقين، بل تؤكد على النسبية، لأن المثول أمام العقل يستلزم مساءلة كل المواقف الباطنية وكافة المعتقدات وتفكيكها، لذا عمل علماء النفس على رفض حجج العوامل الخارجية والغير القابلة للتأثير، لأنها لا تدخل في إطار المعرفة العلمية ولا تنبثق هذه الحقائق إلا من خلال مساءلة الذات الحداثية كما قلنا، لأنها تساعدنا على التواصل إلى وجود موقع وسط بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية.

ويقول “فرويد”: “علينا أن نعترف للناس العاديين الذين كانوا ينتظرون من التحليل النفسي شيئا أكثر من اللازم بهذا الصدد، لأن التحليل النفسي لا يسلط الضوء، أي ضوء كاشف على مشكلتين قد تكونا أهم مشكلة على الإطلاق بالنسبة للجمهور، وذلك لأن التحليل النفسي لا يستطيع أن يفيدنا في مجال الوقوف على سر الموهبة الفنية كما أنه ليس من اختصاصه أن يزيح النقاب على الوسائل التي يستخدمها الفنان في عمله، أي أن يكشف عن التغذية الفنية” .


يجب أولا أن نسلم أن علم النفس هذا ليس تصورا مطلقا، وإنما هو منهج يتيح للباحث وللناقد وللمحلل أن يعيش مع العوالم الممكنة بكيفية متحضرة، إنه يرمي إلى تغييرنا كما يسعى إلى قيادتنا نحو وجهة صائبة، لأن كل ما يهدف إليه هو تمكين الفرد من معرفة دواخله وتقبل التناقضات والإفرازات من أجل صيانة الذات حقوقها الفردية والجماعية، “ففرويد” يقوم بإدانة استراتيجية الغزو من الأدباء عبر اللاشعور، فهو غزو يتخذ لنفسه ضرورة الاستمرار في الكشف عن الخلل داخل عوالمنا؛ لذا يشكل هذا الاكتشاف جزءا من الأجهزة المضافة إلى القنوات التحليلية، حيث تعمل على إدماج كل الذوات ضمن ثقافة مشتركة وضمن انسجام تام، ومن جهة أخرى لعبت دورا أساسيا في تعميق الاختلاف الثقافي بين المجتمع وغيره من المجتمعات ومن الواضح أن هذه المهمة المزدوجة قد صارت مهددة بسبب تحول العالم “إلى قرية عالمية Village planétaire، حيث غدا الأفراد في هذا العالم سجيني هوياتهم المنغلقة، وصاروا في الآن نفسه مواطنين في عالم افتراضي Virtuel يطغى عليه استهلاك البضائع المنمطة Standardisés” ، وعلى الرغم من أهمية هذه المقاربة التحليلية وتفسير الأعمال الفنية والكشف عن سر المواهب لدى الأدباء والمسرحيين والشعراء، فإنه في مواضيع أخرى قد اتسمت آراؤهم بالاعتدال، خاصة وأنهم قد قدموا بعض التوضيحات ووجهات النظر دون الهروب منها” .

وهذا النبش في طبقات الإبداع التصويري جعل المبدع يؤكد ذاته من خلال منظر تركيبي جديد يراه ضروريا لتطوير النقد الغربي من أجل دراسات الإبداع العربي والمغربي، لأن التركيب هو قدر الناقد، وعليه أن يبرز لنا الخصائص النفسية والعبقرية، وتقول “يمنى العيد” في هذا الصدد: “في العالم العربي لابد أن تراعى خصوصيات الكتابة الإبداعية العربية، لذلك يجد الناقد العربي نفسه دوما أمام قدر واحد هو تركيب العناصر النقدية الغربية على مستوى وطبيعة إدراكه للعالم” . إذن يهدف هذا الحضور النقدي إلى إقامة توازن بين العالم الخارجي والعالم الداخلي الذي يولد في الإنسان الرضوخ والانكماش والنقص، لأن هذا التوازن يتحول من مجتمع إلى مجتمع، ومن ذات إلى ذات؛ لأن البنى الذهنية تشكل عالما لا نستطيع أن نجده أو نقبله إلا بواسطة تأويل يقربنا إلى المقولات التي تحاكم كلا الذهنيات الإبستيمية والتي تصور الفنان والمسرحي في شكل “رموز وبذائل ونكوصات، وتدمجه في كل مكونات النص الدال، بحيث لا يوجد فرق بين ما هو نفسي وما هو اجتماعي” . فهذه الخاصية النصية لا تحمل في ذاتها دلالة جاهزة ونهائية، بل هي فضاءات دلالية متنوعة وإمكانات تأويلية، لذا يقول “فرويد”: “إن أبحاث التحليل النفسي قد سلطت بعض الضوء في مجال علم المناهج وعلم الأدب وعلم النفس والفنان (المبدع) (…) وإن كل التقييم الجمالي للأعمال الفنية، وكذلك تفسير الموهبة الفنية أو الأعمال الفنية ليست من مهام التحليل النفسي لكنه يبدو – أي التحليل النفسي – في وضع يسمح له بقول كلمة قاطعة ومقنعة بالنسبة لكل الإشكالات التي تهم الحياة التخييلية للأناس” .


إن قراءة “فرويد” ظلت هي المهيمنة في الساحة العربية والساحة الغربية، لأنها توظف عدة مفاهيم: كالهو والأنا والأنا الأعلى، وهي مفاهيم تكشف النقاب عن طبقات النص المضمرة، وتساهم في تجديد الأواصر بين النص والمتلقي والمبدع. فهذه العلاقة تجعل أحدهما يتوقف عن الآخر، لأن القارئ يرتهن للنص، والنص بدوره يرتهن بقراءة كل قارئ على حسب تعبير “علي حرب”. من هنا انفتح النص على التوليد والتعدد، واشتمل على الأحلام بكل أبعادها الفنية والأدبية؛ لذا ينبغي أن نطرح السؤال التالي: أين يكمن وجه الشبه بين الأحلام والإبداع في علم النفس؟ وكيف تولد العملية الإبداعية؟ أسئلة تستمد مشروعيتها من اختلاف التأويلات والقراءات لتصبح القراءة فعالية منتجة تعيد تشكيل الذات الحالمة. يقول “فرويد” في هذا الصدد: “الحلم ظاهرة نفسية صادقة، كأصدق ما تكون الظاهرة النفسية، إنه تحقيق رغبة والطريق موصول بينه وبين ما تعقل من نشاطنا النفسي في يقظتنا”


تثير القراءة الفرويدية عدة إشكالات مفادها أن المبدع الحالم يجتهد في تقصي المعنى قصد استخراجها في صيغة جديدة، حيث تتعدى الألفاظ، وتقارب بين الأمكنة والأزمنة، لأن الولادة الإبداعية تغير ترتيب العالم، وتجعل اللغة تتسلح بسلاح رمزي دون قول الحقيقة الحرفية. ويقول “علي حرب”: “والحق إن القول بأنه ليس في النص إلا في المعنى الظاهر، هو قول يصدر عن تصور معين للنص، قوامه أن النص ذو بعد واحد، وأن الكلام يساق على مستوى واحد، وأن للمعنى وجها واحدا لا غير، فلا يكون والحالة هذه احتمال ولا ترجيح ولا خفاء ولا احتجاب ولا اشتراك ولا مجاز ولا اشتباه ولا تأويل، فالمعنى بحسب هذا التصور معطى مباشر، والدلالة ظاهرة بينة” . فالمبدع شبيه بالعصابي لأنه يخرج خياله على شكل إبداع فني، هروبا من هذا الواقع المكسور، فالخيال إذن هو الغاب الذي يختفي فيه خوفا من المشاكل والصعاب، هذه التركيبة الخيالية لا تميز بينه وبين العصابي. يقول “فرويد” في هذا المقام: “والفنان يبقى وطيد العزم، بخلاف المريض العصبي، على سلوك طريق العودة ليرسخ موطئ قدميه في الواقع، وما الصياغة الفنية إلا تلبيات خيالية لرغبات لا شعورية” .


هكذا فالأحلام والمرض العصبي هي بمثابة لا شعورية تتحقق بواسطتها مجموعة من الرغبات المكبوتة التي أحبطها الواقع اليومي والأخلاق والدين. فهذه المواقف تجعل الإبداع لا ينفصل عن الذات المفكرة، بل يجعلها كائنة في الإبداع ذاته، وملتحمة مع كل المظاهر اللغوية والجنسية واللذوية التي تتطلب الإشباع، وتسمح للرغبات الشبقية بأن تلعب دورا أكبر في عمليات التخييل . هذا التماثل الذي يوجد بين الإبداع والحلم، هو التماثل الذي دفع “فرويد” إلى اكتشاف هذه المواصفات في رواية”فراديفا” “لوليام جوستن”، جاعلا هذه الرواية تحمل طبقات رمزية وأقوال قابلة للتأويل، لأن الحلم والإبداع يعتمدان التحويل والنقل والتحويل والترميز كآليات “تتظافر فيما بينها لتكون عمل الحلم، وذلك عن طريق مساهمتها في طمس رغبة لا يمكن أن تظهر بشكل صريح وواع، لأنها تتعارض مع تصور الحالم لذاته؛ أي أن هذه الرغبة تكون غير واعية لأن الرقابة النفسية تمنعها من الوصول إلى حيز الوعي” هذا يعني أن الفن في دلالته لا يظهر إلى الوجود بأسلوب حر، إلا لكون الأنا الواعية تتستر وتظهر بشكل من أشكال التدوين الذي يعكس الواقع الممكن ويجسده، مما يجعل هذه الرغبات تحاول الانفلات من هذه الرقابة بطريقة لاشعورية، وقد جسد لهذه الوظيفة أثناء دراسته لهذه الرواية العائلية للعصابيين واكتشافه أن “القصة للعصابيين ليست مقصورة على المرضى وحدهم، فجميع الأفراد مجبورون على صياغتها ذهنيا فقط في مرحلة معينة من الطفولة، ولكنهم يكتبونها ويصرون على نسيانها” . فهذه الصياغة الطفولية تتجسد في شكل رغبات دفينة، حيث تعود ولادتها إلى مراحلها الطفولية. الشيء الذي يمنح لهذه المفاهيم والمصطلحات كالذكرى والذاكرة والماقبل الشعور واللاشعور وعقدة إلكترا وأوديب ، فحضورها كفعل موازي داخل النص كتناصات وكقطائع وبدائل مختلفة التوظيف والتأويل تجعل هذه القطائع تحتاج إلى التفسير على النحو المذكور، أي بالقول إن المفاهيم تحتاج دوما إلى بيان من غيرها، حيث تثير عدة إشكالات سيكودرامية لتصبح كلاما فوق الحقيقة، أي تحل محل العادي وتغدو بديلا عنه، لأن الإدراك الحقيقي الذي نقصده لا يدرك إلا من خلال النصوص الموازية ومن خلال التأويل والتفسير. فالتوجه إلى روح المبدع وإلى عمقه واستخلاص جوهره، هو نقيض القراءات البسيطة التي تعتمد المقدمات والأصول الساذجة وسيادة الذات وقصدية الوعي وهوية الفكر وإمبريالية المعنى . ففي العالم الذي يسكن الذات المتعالية تتخذ الأنا تفرغها في اللفظ وفي الدلالة لتلغي الإكراهات التي تمارسها الأنا الأعلى وكل الترسبات الماضية.


إن هذه البنية التحتية اللاشعورية لا تنظر إلى واقعنا بوصفه ماهية تتطابق مع ذواتنا، بل كيانا مستقلا لا يخدعنا بلعبة التضاد بين السطح والعمق، بل يقربنا إلى الترسبات المجازية والعقائدية اللاواعية التي تنسج الحقيقة وتجعل المتلقي في منتهى الاندماج أي تسلبه إسهاماته الفعالة من أجل إعادة تشكيل أفق انتظاره من حيث أن الصور فيها صور رمزية، لها ظاهرها ولها باطنها .


وعلى الرغم مما سبق، تتغير النظرة إلى الذات وتقتضي تحويل النظر إلى النص وإلى المبدع وإلى العلاقة بالفعل، لأن المقاربة لا تخرج من مأزقها إلا إذا توقفت عن النظر والحكم على النص بوصفه أحادي الدلالة، وعلى الذات بوصفها علامة واحدة لا تحتمل التفاضل ولا التعدد ولا الاختلاف والتأويل. فالذات المبدعة هي كلامي وتصوري وتعبيري، يتعدد بتعدد السياقات والتعارضات وتترتب مستوياتها حسب العوامل الداخلية والخارجية التي تخترقها لتخلق منها شقوقا وفجوات. وعبر هذه الشقوق نتقبل الأشكال الرمزية التي هي عبارة عن استعارات ومجازات وأخيلة، تتيح لنا إمكانية تخريج النص، لأنها تتعامل مع الآخر – العالم – الذي يسيجنا ويتوجد فينا، فهذه الخاصية التفسيرية تتعدد إمكاناتها وتأويلاتها، وتتنوع اختراقاتها لهذا الغريب والمدهش.
إنها عبارة عن انزياح يلتقي مع الآخر المقموع والمختفي. ويقول “علي حرب”: “فبالمجاز يجتاز الإنسان العوالم ويقرب بين الأشياء، وذلك حيث تصير الكلمات رموزا، تحيل من شيء إلى شيء وترتحل بنا من عالم إلى آخر” .

لا يمكن أن نلغي القراءة الموجهة إلى روح النص التي تستدعي النفاذ إلى بواطنه واستخلاص عمقه لفهم الذات، وإن كانت تطرح نفسها كبعد تخريجي، لا تبني الأصول في كليتها المتخيلة ولا تجعل الأنا المبدعة تقبل النظرة الأحادية، بل تسمح للتعدد أن يؤسس مساحة كبيرة تفيض بالدلالة والمعنى. فالنص المسرحي ميزته الاتساع الدلالي والاختلاف السياقي، لأن التوسع والاختلاف يجعل الرؤية النقدية تنفتح على مختلف عناصر الوجود ومراتبه، والانفتاح كما قلنا على الاختلاف، يتيح لنا عقلنة المسار النقدي بوصفه يؤول النصوص بمنهجية تبحث عن كيفية توظيف الخيال، لأن النص هو شفيرة مفاهيم مؤلفة من تنظيم دلالي وتراكم مجازي فأخذها على سبيل المثال المبدع والباحث أدلير فإنه ينقب عن أنظمة المعارف، ويحفر في طبقاتها لمعرفة أهم المفاهيم الموظفة التي تجعل المبدع يعوض ذلك النقص الذي كان يحس به. فحسب “أدلير” “فإن كل فنان يعاني من نقص يحاول دائما تعويضه عن طريق “جميع إمكانياته للتغلب عليه عن طريق الفن أو الأدب، وبقدر ما يعاني من مركب نقص، يظهر إبداعه الفني والأدبي، وهكذا تكون قد ارتبطت العملية الإبداعية عند “أدلير” بالشعور بالنقص” .


فتحديد العملية الإبداعية بهذا الشكل، تعتبر خير تبرير لمدى تباينها مع التحديد الفرويدي لها، ولمدى عدم تبعية “أدلير” لأستاذه في ذلك، فبدل أن يعود “أدلير” إلى دوافع الإبداع وإلى مجموعة من العقد والمكبوتات المرسخة في اللاشعور، والتي ترجع في أصلها إلى الجنس، لجأ إلى تبرير مخالف يقوم على الشعور بالنقص كدافع ومحفز للإبداع، وعلى التعويض عن هذا النقص الذي يتحقق في الأعمال المسرحية في شكل صورة ونسق من العلاقات، كنسق تتغير أدواته وعناصره وتتعدد مراكزه وانزياحاته، مما يعني أن هذا التعويض لا يعنى بذاته، بل بموقعه وتباين مساحاته ومجال توتره وتشتته، حيث يتولد هذا التعارض عن القراءة المغايرة، وعن انفجار اللاشعور النصي، واشظي الهوية.
ولم يعد “أدلير” يقرأ النصوص والتماثيل قراءة برانية، بل يندمج معها كحقيقة غير صافية وغير يقينية، ويعمل أيضا على تشكيلها في صيغة لعبة تتحكم في كل إنتاجات الذات الراغبة والمبنية على الاستراتيجيات وعلى المنظومات من الأوهام ويقول “سامي الدروبي”: “إن الخلق الفني في جميع مظاهره ليس إلا ظاهرة بيولوجية نفسية، وليس إلا تعويضا مصعدا عن الرغبات الغريزية الأساسية التي ظلت بلا ارتواء بسبب عقبات العالم الخارجي أو في العالم الداخلي” .


فالإبداع وفق هذا الطرح يبرز لنا هذا التصعيد التعويضي عن مجموعة من الرغبات الغائبة والمقموعة، قصد تحقيق غايات دفينة التي هي في أصلها أو في “حقيقة الأمر تنبع من هذه الغريزة رأسا في هروب تحريري أو ارتواء تعويضي” ، وليس المفهوم التعويضي مساحة مسطحة كشف عن معناها، وإنما هو مجال متعدد الأعماق لا ينغلق في الذاكرة، بل يبقى مفتوحا مشكلا مساحة يمكن التسلل من فجواتها إلى داخل الأنوية التمثيلية للكشف عن تستر الخطاب، وكذا عن تحقيق الذات بلغة تضع مصطلحاتها صالحة للتعبير والتصوير والترميز، كما يتجلى ذلك في تداخل الأصل بالعمق والسطح بالجذر، فليس التعويض مجرد تعبير سطحي، بل أثرا يسكن الذات المبدعة بشكل يتحدد كإنتاجية تقوم على الهدم والبناء. وهذا التحديد يسمح لنا بهذا التصور الذي سيتحكم في اختيارنا وفي تأطيره، ويساعدنا على إبراز هذه التناصات التي تتعدد بعيون متفاوتة في الرؤية وفي الجهد النقدي وفي الهم الحداثي، في أبعادها النظرية والتحليلية، وبالاستناد إلى أدوارها ومتونها في مجالات المسرح، فضلا عن الاتجاهات التي ولدت بعد “فرويد” والتي عملت على تكوين مفاهيم تحليلية وتنشتها وفق معايير يضعها المحلل والناقد، معتقدا أنها تضمن له الاستمرارية والتقدم الاجتماعي “فيونغ” يقول: “ارفع العقبة عن طريق الحياة يتقوض حالا هذا التخيل الطفولي، ويصبح من جديد ساكنا لا أثر له كما كان من قبل، ولكن يجب ألا ننسى أنه يعمل ويؤثر علينا إلى حد ما في كل حين وفي كل مكان (…)، لذلك فلا أرى سبب العصاب في الماضي، بل أجده في الحاضر. ولذلك فأنا أسأل عن المهمة الواجبة التي لم يستطع المريض القيام بها” .
إن هذه المنظومة تصبح الأداة الرئيسية التي تحقق الارتباط الوجودي والتكوين المكتسب لمجموعة من المعلومات والمهارات، حيث تؤهل الذات في المجامع وتطوره هذه الخصوصية التعويضية لتتفجر في معمار فني يزاوج بين وحدات النص الآلي المرتبط بالفلسفة التربوية للمجامع، وبين نظراتها للحياة وثقافته وتطلعاته ويعطي “يونغ” لهذه الدلالة الذي يعطيه “فرويد”، إضافة إلى كونه ينكر أن يكون جنسيا بكليته، بل إنه “يجعله شاملا لمفهوم اللبيدو عند “فرويد”، والنزوع إلى التفوق عند “أدلير”، إنه يعتبر اللبيدو الأساسي إلحاحا عاما يشابه إرادة الحياة عند “شوبنهور”، أو الاندفاع الحيوي عند “برغسون”، إنه الطاقة الحيوية العامة التي تستهدف النمو والفعالية والإنتاج، وهو متنفسه عند الطفل في أعماله الغذائية” .


فالعقل الإبداعي المسرحي يستهدف بناء إمكانيات نصية وفق خطة منهجية موجهة، فارضا نسقه الصريح والضمني، مستلهما كل المتون الشخصية التي تتحكم في كثير من سلوكات الأنا واستجابته، كما أن هذه العملية – التملك والاستبطان – لا تتوقف عند مرحلة الطفولة، بل تمتد لكي تشمل مراحل مختلفة من نمو الإنسان ويقول “عبد الواحد المزكلدي”: “إن الإنسان ككائن اجتماعي يعيش في وسط اجتماعي يتفاعل فيه مع الآخرين، لا يمكن أن يحافظ على توافقه الاجتماعي إلا إذا اشترك في مجموعة من الاتجاهات والقيم مع الآخرين، وبالتالي تكون عملية التنشئة الاجتماعية، سواء كانت قائمة على الدمج والتطبيع أو على التملك والاستبطان وبالتالي التنشئة الاجتماعية” ، فالممارسة التأثيثية تشعل الأنا في شكل استراتيجية، وترشدها إلى طريق العمل والتفكير الشخصي، بحيث لا يكون الإبداع إلا تظاهرة من تظاهرات تاريخ استخدام المنهج، وبمثابة موضوعات لترويض الموهبة الموضوعية. وانطلاقا من ذلك ينبغي الإقرار بأن الأشكال الموظفة تجعل التفكير يسير من الذات إلى الموضوع لكي تتأسس مقومات الإبداع وما تتطلبه من إبداعات لفظية.

وتحتوي هذه القراءة على مكونات إيحائية تختلف في مستوياتها التركيبية واللاشعورية، وتنسج ضمن أبنية وأنساق وتساعد على اكتساب هذه القيم الفنية المميزة بين المعايير الجمالية والذوقية المستندة إلى معايير نفسية باطنية ومعرفية، تحدد مواجهة الذات للنص، وقياس قدرته الدرامية ولكل كفاية من هذه الكفايات مستوى من مستويات الإنتاج والتلقي. ويقول “يونغ”: “إن المكونات الأساسية لهذا اللاشعور الجمعي هي الصور والنماذج العليا البدائية التي هي الأفكار والصور اللاشعورية الموروثة من تراث الأسلاف، وعبر الأجيال مثل تلك الصور حول الأب والله، والشيطان والخير والشر” .