إن اعتماد منهجية التحليل الإبداعي بالتمارين السيكولوجية لا يعني تقديم نظرية أو ميتودولوجيا جاهزة لذلك العمل مهما كانت قوته، ومهما بلغت درجة تماسكه، لأن تلك المنهجية تظل رهينة بالممارسة وبالإنجاز، وبما سيترتب عن تلك الممارسة من وضعيات عقدية ومن عوائق معرفية. وهذا يعني أن الالتزام بالطرائق والشروط المنهجية تتطلب الدربة والتفكير الواسع والمعرفة الكلية بشؤون المناهج، لأنها الأرضية التي تعطي للعمل المنقود كتوجهات منهجية أولية، التي تعمق النقاش وتضبط طرق العمل، قصد تحقيق المرامي. فالأمر إذن لا يتعلق بموضوع يقع خارج الخطاب المسرحي أو الأدبي، ولا يقود إلى النتيجة المتوخاة، بل يؤصل الحدث بمرجعية تتأطر بالتفكير وبالمفارقة التي تسعى إلى الاقتراب من كل الطرائق المتنوعة، والتي تكشف لنا السبل المؤدية إلى معرفة بواطن المبدع فمراهنة التحليل عند النقاد العرب على تعلم التأويل والتفلسف، يكمن بالتأكيد في ممارسة موهبة النقد وتطبيق مبادئه على كل النصوص المتأخرة لديهم، وهذا يعني أن فعل النقد لا يتأسس من فراغ، بل إنه ينطلق من قراءات متعددة تتيحها المحاولات التي يدخرها تاريخ النقد الإبداعي.
لقد وصفت الأرضية التي انبثق منها تفكيك الإبداعي، إذ هو المرحلة من مراحل جدل المنهجيات وصراعها، وإذا كانت المنهجيات التقليدية، والمنهج البنيوي، تطمح إلى تقديم براهين متماسكة لعمل الأشكال في عملية وصف الإبداع أو الاقتراب إلى معناه فإن التفكيك يبخر الشك في مثل هذه البراهين، ويقوض أركانها، ويرسي على النقيض من ذلك دعائم الشك في كل شيء، ويكمن هدفه الأساسي في تصحيح بنية الخطاب، مهما كان جنسه ونوعه، وتفحص ما تخفيه تلك البنية من شبكة دلالة، فهو من ناحية هي ثورة على الوصفية والبنيوية، وهو يذهب إلى أن الضابط قبل التفكيك والضابط في ضله، فهو رحلة شاقة ومغامرة محفوفة بالمخاطر لا يتوفر لها أدنى عامل من عوامل الأمان في أودية الدلالة وشعابها دون معرفة، دون دليل، ودون ضوابط واضحة. وكشوفاته الذاتية، والفردية، وجماعية، وكذا حقل الدلالة والتعويم المدلول المقترن بنمط ما من القراءة، أي استحضار المغيب. وهذا يقود إلى تخصيب مستمر للمدلول بحسب تعدد قراءات الدال، وبذا فإن نزاع القراءات يقود إلى متوالية لا نهائية من المدلولات، والتي لا يمكن لأحدها أن يساتر باهتمام كلي دون الآخر، فلا ضوابط رياضية توقف هدير المدلولات التي تستنفرها القراءات، فتبدأ بتشكل الأجنة، المكونة كبؤر دلالية، وحقول شاسعة لا يمكن تثبت حدودها إلا في إطار التفكيك، فالإبداع هو اختراق للمألوف، وتأسيس للممكن، ورؤية تجاوزية للمرئي واكتشاف للمختفي والمسكون هكذا عمد ديريدا مغايرة كل الأنساق الإبداعية بلغة الكتابة، والاختلاف.
فهذا الاستغراق في عالم يقودنا مباشرة إلى تعريف ماهية التفكيك، فالمصطلح Déconstruction مضلل في دلالته المباشرة لترفي دلالته الفكرية، فهو في المستوى الأول، يدل على التهديم والتخريب والتشريح، وهي دلالات تقترن عادة بالأشياء المادية المرئية، لكنه في مستواه الدلالي العميق، يدل على تفكيك الخطابات والنظم الفكرية وإعادة الإلمام بالبؤر الأساسية المطورة فيها.
ويقول دريدا في حوار مع كريستيان ديكان: إن التفكيك هو حركة بنيانية وضد البنيانية في الآن نفسه، فنحن نفكك بناء أو حادث مصطنعا لنبرز بنياته، وأضلاعه أو هيكله ولكن نفكك في أن معا البنية التي لا تفسر شيئا، فهي ليست مركز ولا مبدأ ولا قوة، أو مبدأ الأحداث بالمعنى الكامل، فالتفكيك من حيث الماهية، حد لا يمكن تقويضه بسهولة فما البديل إذا؟ إنه الاشتغال على ثنائية الحضور والغياب، ومن خلال فهم جدلي عميق للعلاقة بين هذين المستويين في جسد خطاب الحضور حسب التفكيك رهين مرئي، والغياب ضلاله الكثيفة العميقة الغائرة، المحيط المضطرب المتسع الذي لا قاع له ولا شواطئ، وهو المدلول الذي ينطوي على خاصيته الانفتاح المستمر على القراءة، فيتحاور مع القارئ، ويتحاور معه القارئ فيستمع مثله مثل ما ساكن، تتضاعف دوائره وتتسع إذا ما ألقي فيه حجر على وفق هاته الاستراتيجية يؤسس التفكيك نظرته وكيانه بوصفه طريقة النظر والمعاينة إلى الخطاب، وهو يقف في الجانب الآخر من الأطروحات التاريخية، والسيسيولوجيا والسيكولوجية والبنيوية، هدفه تحرير شغل المخيلة، وافتضاض آفاق بكر أمام العملية الإبداعية. وحسب دريدا فالتفكيك ليس عملية نقدية فالنقدية موضوعها. التفكيك يوقد الجراءة في العملية النقدية، على وجه الخصوص النظرية النقدية ولهذا يمكن القول أنه سلطة حاسمة وتضيف إلى ذلك: أنه يولي القراءة النقدية، أو البناء النظري جل اهتماماته. ولتحقيق أهدافه، وطموحاته، يخترع التفكيك مجموعة من المصطلحات هي بمثابة مقولات سياسية تنهض عليها وتنظم استراتيجياتها في القراءة والتأويل على وفقها، وذلك خروجا على ما ارتسمه المنهجيات السابقة من نقاش وبحث ومعاينة. وأبرز هذه المقولات هي:
1- الاختلاف: تعد مقولة الاختلاف إحدى مرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية قد حدد ديريدا مفهومه لها في بحث بعنوان “الاختلاف” نشره في كتابه الكلام والظاهرة، يؤسس دريدا من خلال “الاختلاف” مقولته حول الحضور والغياب، ويدير نقاشا ذا مستويات متعددة في اللغة والفلسفة وعلم الدلالة فالمعاني حسب دريدا تتحقق من خلال الاختلاف المتواصل في عملية الكتابة والقراءة، وتبدأ مستويات الحضور والغياب بالجدل ضمن أفق الاختلاف، بحيث يصبح الاختلاف هدفا أكبر ما هو أصل في ذاته فالأمر يتطلب حضور العلاقة المرتبة التي توفرها الكتابة التي تمد العلامات بقوة تكرارية ضمن الزمان، وكل هذا يمد الدال ببدائل لا نهائية من المدلولات مما يثبت أن الدلالة لا نهائية من الزمن، إن هدف الكلام وغايته بوصفه حضورا ذاتيا، ينتج من خلال أثر الزمان في الكتابة، وهو يقوم من ناحية بتفويض الحضور الذاتي، هذا يعني أن ثمة بناء وهما متواصلين وصولا إلى بلوغ تخوم المعنى.
يذهب دريدا إلى أن الاختلاف هو عمل الكلام الداخلي، فالكلام المنطوق يشكل بالاختلاف المستمر بين الكلمة المتطرفة التي تتجرأ عادة إلى دال صوتي ومدلول فهمي، وبين سلسلات المفردات التي تنظمها سلسلة الحديث، وذلك إلى ما نهاية جريا وراء ما يذهب إليه دي سوسيو من أن نظام الذاتي للكلام ينهض على الاختلاف بين العلامات أكثر ما ينهض على الحشد وحدات المعنى، فالعلامة حسب دي سوسيو لا تدل على شيء بذاتها، وأما باختلافها عن العلامات الآخر وهذه الإمكانية لا تتحقق إلا بواسطة الكلام بوصفة حضورا ذاتيا مباشرا يلعب دورا رئيسا في الحقل الدلالي.
إن هذه الوظيفة المهمة لاختلاف بين ما يصطلح عليها دريدا أن الكتابة البديئة (Archi-writing) وهي نمط من الكتابة سابق للكتابة نفسها، أي ذات ميزة قبلية تكن نموذجا متصورا للكتابة قبل تجربة الكتابة قبل حضور التناطق حولها. إن الكتابة البديئة لا يمكن تعريفها موضوعيا لأنها غير قابلة للاستقراء والوصف، لكنها حسب دريدا هي الكتابة التي لا تدع نفسها أن تنتج غير شكل الحضور، وعادة ما تكون أنظمتها موضوعيا بالنسبة لموضعها وكل أشكال المعرفة الأخرى يمكن أن يصطلح عليها ب (اللسانيات غير متمركزة منطقيا Mon logocentrique linguiste) لقد قاد التشدد في التركيز على أهمية “الاختلاف” في بنية الكلام والكتابة إلى تعميم استراتيجيتها كوسيلة للنظر في الخطابات الفلسفية والأدبية وجرت ضمن البرامج التفكيكي عملية شاملة لقضاء على ثنائيات فقد وجه دريدا اهتمامه شبه كلي إلى تحطيم المرتكز الفكري لثنائيات كثيرة مثل الروح، الجسد، الشكل، المعنى، الإشعاري، الواقعي، الإيجابي، السلبي، المتعالي، التجريبي، الأعلى، الأسفل، الخير، .. وذلك لقلب التصور الذهني الذي أرسته الفلسفة الغربية وأحل بذلك مفاهيم ومقولات مثل “الاختلاف” الذي يحتمل المغايرة والتأجيل كما سبق تأكيد ذلك، و”الفارماكون” التي تغني السم والدواء معا، و”الهامش” التي تتداخل أو تحيل إلى علامة لتفكيك “تتفادى مقابلات الثنائية التي ميزت الميتافيزيقا وأن تقيم ببساطة في الأفق المغلق لهاته المقابلات لإقامة استراتيجيات داخل هذا الأفق”.
الاختلاف عند دريدا إذا، فعالية حرة غير مقيدة. ويوجز تعريفها لها بالقول إن “الاختلاف لا يعود ببساطة لا إلى التاريخ ولا إلى البنية” فالاختلاف يوجد في اللغة ليكون أول الشروط لظهور المعنى.
2- التمركز حول الحقل الإبداعي:
إلى جانب مصطلح “الاختلاف” يشتق دريدا مصطلحا آخر، لا يقل عنه أهمية في النظر إلى الخطابات الفلسفية وهو مصطلح تمركز حول العقل حيث يخلص دريدا إلى أن أحد أكثر السبل تأثيرا التي نهض عليها التمركز حول العقل في الفلسفة الأوروبية، هو اهتماما بالكلام على حساب الكتابة، فالتمركز حول العقل والمنطق هو حقيقة الأمر تمركز حول العقل والمنطق هو في حقيقة الأمر “تمركز حول الصوت”، ويرجع جذور هذا الاهتمام إلى أفلاطون الذي عبر عن الحقيقة قائلا أنها حوار صامت مع النفس، وهذا التأكد هو إحدى الدعائم الأساسية لحضور المتكلم مع نفسه، فالحقيقة حسب أفلاطون ما هي إلا المباشرة الصريحة للنفس، كما يتمثل حضور “التمركز حول الصوت” في الحوار بين متحدثين يجمعهما زمان واحد، ومكان واحد، وما سوف يرشح عن حديثهما من معنى أو مقصد حول ما قالاه بالضبط أو ما قصداه بقولهما على وجه الدقة.
إن النموذج الذي يقترحه دريدا، يقترب كثيرا من مفهوم “التمركز حول الصوت” وهو الحوار الصامت والمسموع بين متكلمين اثنين يجمعهما حضور مشترك في الزمان والمكان إذ أن فعلا حواريا مثل هذا، يوصل بالضبط ما هو مقصود، لأنه محكوم بسياق عام يأخذ في الاعتبار أمرين “هنا” و”الآن” وهكذا يبدو، إن مفهوم أفلاطون للحوار يبدو أكثر تفضيلا من المفهوم الأرسطي له، بوصفه شاهدا وجرديا للتجربة العالية للكلام. أما الكتابة فقد عولجت بشهية كبيرة من طرف أفلاطون، وذلك بمحاولته تدمير نموذج التمركز الصوتي إلى حوار مباشر من نفس إلى نفس. إن الكتابة تكشف لنا عن التغريب في المعنى ذاته، إن نقش المعنى الأصلي بواسطة العلامات يهبه استقلال حرية عن المؤلف الأصلي، ولذلك فإنه يمنح مزيدا من إمكانيات التفسير. وهذا بالضبط ما يعيه الاختلاف عند دريدا، إن هذا التغريب أو الأبعاد في المعنى يتوضح بصورة جلية، عندما تستمر العلامات المكتوبة بتوليد بعدها الدلالي بغياب المؤلف وحتى بعد موته، ويقدم دريدا تدليلا لزعمه في كتاب Dissémination تحليلا تفكيكيا بارعا لمحاورة أفلاطون في “فيدروس” ويتوصل من خلال الميتافيزيقا الأفلاطونية إلا مقولات الحضور والهوية والوحدة والبداهة على حساب الكتابة بوصفها إطار للغياب والاختلاف والتباين وهذا بان ما يشتغل عليه دريدا هو ليس فقط حل الإشكال المستعصي القائم بين الكلام والكتابة في الخطاب الفلسفي فحسب، بل مطالبته الأصلية بضرورة بقلب التمركز المنطقي والعقلي في الفلسفة، فهذا يجعلها تتضح بالدلالات وتغطس في بحر التجدد، دون التعثر ببؤر التمركز التي تفرض سطوتها وفق المنظور التقليدي. وأنه بمحور المركزية تتحول النظم الفلسفية ومراكزها إلى خطابات فكرية تعني الجميع في كل مكان وزمان.
لقد وظف دريدا قدرته الحوارية العالية مستعينا بمقولة “التمركز حول العقل” للعمل على إنشاء نظريته الشاملة بمواجهة التراكم الهائل للميتافيزيقا الغربية، فبعد أن أفلح بتجزئة الألفاظ والفرضيات الأساسية ثم تطوير الأبنية التناقضية والحجج التناقضية التي تنطوي عليها هذه الألفاظ والفرضيات، انتقل إلى صلب موضوعه، ألا وهو تفكيك النظم العامة للفكر الغربي بدأ من أفلاطون، فأرسطو وروسو وديكارت وفرويد وصولا إلى معاصريه من الفينومونولجيين الذي نشأ وإياهم على إفرازات تلك النظم الفكرية من أمثال هيدغر وهرسل.
لقد قاده الاستقراء والوصف التفكيكي إلى نفس الزعم بوجود معنى موحد له هوية أو تطابق ذاتي، لأن عمله الذي نهض على التعارض وكشف الأبنية المتناقضة بين له وجود تعارض صميمي في هيكل تلك النظم وهو ما أمده بوسائل متطورة لتفكيك تلك النظم من الداخل بواسطة إعادة قراءتها من جديد. ويكشف دريدا بوضوح استراتيجية عمله على النظم الميتافيزيقيا. فيؤكد أن دراسته لها، بوصفها ظاهرة مهمة تقوم على التموضع داخلها، وتوجيه ضربات متتالية لها، من الداخل أي قطع شطا أمام الميتافيزيقا. إن مسألة انتقالات موضعية ينتقل السؤال فيها من (طبقة) معرفية إلى أخرى من معلم إلى معلم حتى يتصدع الكل وهذه العملية هي ما دعوته ب (التفكيك).
أهم الحقول المعرفية امتد إليها نقد دريدا حول التمركز المنطقي
1- الأولوية الأبستمولوجيا: يقصد بها العقل إدراك حسي.
2- الأولوية التاريخية.
يرى دريدا أن أساس التمركز حول الصوت إنما ينهض على هذه الأولية التي تتحقق بواسطة النظم الميتافيزيقيا للحضور لا نهائي لزمن الذي ينطق من الماضي صوب آفاق المستقبلا، ومهما يكن فالإبداع يبقى قارة مفتوحة على كل القارات الممكنة.
ونتيجة لكل المبدعين الذين يقدمون لنا مقاربات مهمة تسلط الضوء على بعدي الذاكرة والإبداع المركزيين المهمين في البناء والتشييد وكذا تأسيس قاعدة متخيلة للعالم الممكن يبدأ من حاضر إلى مستقبل قادم، ليكون الإنسان هو الصانع والمبدع لا أن يخضع للمراقبة والعقاب لا يعني هذا، أن كل شيء قابل للإبداع، ثمة خطر حقيقي للإبداع والتشويه، بل وخيانة الرسالة الإبداعية التي يود المبدع تبليغها، وهذه الرسالة هي صيحة جديدة أمام العالم الواقعي، من أجل تصحيح المسار النضالي الإبداعي، حيث يعود الإشكال في العمق إلى معضلة الربط بين الواقعي والتخييلي من خلال دينامية المقدس المحتمل في المستقبل، كان الإبداع منطقة التجاذب الإيديولوجي والمعرفي، أما اليوم أصبح الإبداع مسرح التخصصات والصراعات والتأويلات المشروطة بواقع الدولة والمؤسسة، لذا أدعو إلى فتح حوار مع الإبداع لا أن يكون مرتبط بالسلطة ولا العقاب ولا المراقبة.
