8.2 C
نيويورك
فبراير 22, 2026

الغزيوي بوعلي يكتب: إشكالية الإبداع بين التفكيك والتحليل النفسي

تعد قضية الإبداع من أهم القضايا الأساسية التي مازالت لم تحض بالاهتمام والدراسة، على الرغم من أنها من بين المفاهيم التي أثير حولها النقاش منذ القديم. فقد قدمت لها عدة تأويلات وتخريجات، كأن أغلبها أقرب إلى مفاهيم، مثل الرسم والتشكيل والإلهام والعصاب. وعلى الرغم من ذلك فقد بقي الغموض يسود تحديد هذا المفهوم – الإبداع – ويكتنف إبداع الفنان وشخصيته مدة طويلة، حيث وقف الفلاسفة والنقاد القدامى أمام الغموض وعللوه تعليلات شتى، فارتبط عند قدماء اليونان بحلول المثل الأعلى فيه وربطه قدماء العرب بالشيطان وبوادي عبقر … وأن لكل شاعر شيطانا (…) كما ارتبط عند المحدثين بالعبقرية تارة، وبمركب النقص تارة أخرى، وعند فرويد بالليبيدو والعقد النفسية وعند يونغ باللاشعور الجمعي” .


انطلاقا من هذا الطرح، يظهر لنا واضحا مدى التنوعات والاختلافات التي تكتنف جنسية الإبداع، سواء عند المشتغلين بعلم النفس أو عند المهووسين بالمعارف المتنوعة أو عبر تطوره التاريخي. فالإبداع عبارة عن تجديد، حيث يتحدد بكونه “فعالية إنسانية وخلقا ينبغي أن يتجاوز الواقع المعتاد، ويتخطى ما هو مألوف بهدف إنتاج صور ورموز وأفكار مغايرة، من أجل استشراف آفاق جديدة تبرهن على الملكة الخلاقة للفرد ككائن عملي يسعى دوما إلى تغيير واقعه، وصياغة علاقة أكثر ملاءمة لطموحاته والحركية والعدالة والتقدم” . فالمبدع وفق هذا التصور يعتبر تجاوزا وتخطيا للسائد والمألوف، أي السابق في الوجود، إنه ليس تقليدا له وإنما استشرافا لما سيكون، لأن الهدف من ورائه ليس تفسير الواقع، بل تغييره. وهذا التغيير يجعل الذات الفردية ترغب في تأسيس الخيال من أجل صياغة فنية تكون أكثر ملائمة، أي أنها عبارة عن تجسيد “لجهد إنساني، إما أن يبقى في الحدود الذاتية للفرد وإما أن ينصهر في إيقاع جماعي يحفز مختلف القدرات الذاتية على تطوير الواقع وتحسين شروط العيش” .


من هذا المنطلق يبدو أن تعامل الباحثين والدراميين مع التصوير يتماشى وفق بعدين:
1- بعد نفسي فردي وهو الذي يؤكد على المخزون الفردي في الإبداع باعتباره تفجيرا لرغبات وصور وأفكار، لم يتمكن الفرد التعبير الصريح والمباشر عنها، فيجد في المجال الإبداعي متنفسا ولحظة تعويضية يكشف فيها تلك الصور والأفكار والرغبات بشكل أكثر شمولا وجمالا . فالتصوير إذن يحمل بين جنباته ترسانة فكرية قادرة على ربط الواقع بالأبعاد النفسية كسؤال مشترك يطرحه كل واحد منهما، لأن حياة الفرد تتجاذبها جملة من التأثيرات المتنوعة في تصوراتها وتجلياتها، وذلك من خلال تفاعله المستمر والدائم مع العالم الخارجي، سواء كانوا أفرادا أو جماعات. وتبعا للمواقف والوضعيات المتنوعة وموقع الفرد ضمن دينامية التفاعل هذه، يجد أن يكون فاعلا ومؤثرا ومنتجا للوقائع والأحداث؛ كما أنه يستجيب لمؤثرات المحيط كله، وبالمقابل يعمل الفرد على توليد الدلالات السلوكية وذلك وفق منطق مبني يعكس طبيعة التفكير والمعرفة الاجتماعية التي تتأسس عليها سيرورة المجتمع، وبعبارة أدق نوعية المنطق المشترك المبني على أسس تحيلنا على نوع من المعرفة الظاهرة، والتي تشتغل انطلاقا من صور وآليات ذهنية لها كمجرى فعلي في الحياة اليومية، تبتدئ غايتها في تعلم ما يحدث لنا .
إن الحس الجماعي يدل إذن على مجموعة من الآليات السيكولوجية والسوسيومعرفية التي يشكل من خلالها الأفراد معارفهم حول الواقع، ويحولون تبعا لذلك سلوكهم انطلاقا من المعارف والمعايير التي تزودهم بها هذه المعرفة ، ومن خلال التحولات الجوهرية لهذه الدينامية السوسيودرامية، نحس أن هناك سيرورة الإدراك والتمثل التي تجعل الفرد يؤسس نظراته وطرقه النفسية الاجتماعية.
2- بعد اجتماعي الذي يكون فيه الإنسان من حيث هو كائن اجتماعي لا يمكن أن يصور إلا داخل سياق اجتماعي، لأنه جزء منه وإليه يعود وبواسطته يحمي ذاته، ومهما يكن من أمر فإن الإبداع التصويري رهين بمجموعة من الشروط الذاتية والاجتماعية التي توفر له إمكانات التحقق والفعل النفسي الباطني، فلا يمكن أن نفهم الأسس المرجعية للتحليل النفسي إلا إذا فهمنا كيف وظف عند الغرب؟ وكيف تقبله الناقد العربي؟ وهل استوعب شروطه الفلسفية المبنية على رغبة الذات المتفلسفة؟ إذن لأن النقد التواصلي لم يعد يرى ضرورة التقوقع حول ما خلقه الأجداد من تراث نقدي يلوك ما لاكه السابقون من دون تغيير ولا تجديد، ويعيد علينا أنماط باتت محاطة بفهم يكرس الأدوات المنهجية تجاوزتها التيارات الحديثة والمعاصرة. والواقع أن الأدباء والشعراء الغربيين كانوا السباقين إلى تناول مفاهيم علمية وإنسانية ومعرفية، مما مكن نقادنا من الإطلاع على هذه المعارف والمناهج، وصبغوها بصبغة علمية وفلسفية وأدبية، مكنتهم من تفسير العمل الفني وفقا للعمل المطروح. هذه الازدواجية تعبر في حقيقتها عن ازدواجية ثقافة الناقد العربي وثقافة الغرب. وهذه الثنائية (الذاتي – الموضوعي – الاجتماعي – النفسي …) كلها مفاهيم إيحائية تتداخل فيما بينها وتتفاعل، كما أنها تعمل فعلها في عملية درامية وجمالية، لكن الجوهر في كل هذا يبقى للجانب الذاتي النفسي في هذه العملية، لأنها عملية صادرة عن الذات الفردية ونابعة منها ولا تأخذ شكلها الفني كما قلنا إلا انطلاقا من الذات المبدعة، وعبر هذه الذات تخرج إلى العالم وإلى الوجود. فهذه الآلية السيكومعرفية تجد تعبيراتها في الحياة الاجتماعية من خلال أنماط التأويل، هذه الأنماط تحيل دوما على البعد السيكولوجي الذي يبرر لنا الحس المشترك بين الذات المبدعة والموضوع المدروس.