فبراير 12, 2026

محمد قيصر يكتب: ” أنا” وبعدي ” الطوفان”

محمد قيصر (*)

” أنا” وبعدي ” الطوفان”:

كثيرا ما يتداول بين الناس هذه العبارة للدلالة على درجة الأنانية التي تصيب البعض منهم، لكن الاسئلة التي تتبادر إلى الذهن هي: ما علاقة النرجسية بظاهرة الطوفان؟ وكيف تم هذا التشبيه بين صفة نفسية وبين حالة من حالات البحر؟

معروف عبر التاريخ أنانية بعض البحارة المشاهير ونرجسيتهم المفرطة، كما هو الشأن بالنسبة للمستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما، الذي صنف في خانة البارانويا التي تصل إلى حد الاكتئاب.

والحقيقة أنه لولا النرجسية أو التعنت الزائد لما استمر رجال البحر في أداء مهمتهم. ذلك أن الواقع البحري يفرض على الإنسان العادي الابتعاد عنه. لكن السؤال الذي يحير دائما هو لماذا يأبى رجال البحر إلا أن يستمروا في ركوب البحر رغم أن هذا الأخير يتحرك بما لا تشتهيه سفنهم.

من بين الأسباب التي تدفع الشخص العادي إلى اختيار مهنة البحر هو دافع لا واع للبحث عن الحرية. تلك الحرية التي يعيشها نفسيا في فترة الحمل ويبحث عنها بعد ولادته. وقد أثبتت الدراسات أن الجنين يعيش في حوض مائي داخل بطن أمه أثناء الحمل. وهذا ما عبر عنه المحلل النفسي بيير داكو بقوله: “Nourri et logé “

نفس العبارة تردد وبشكل يثير الانتباه في القانون البحري من خلال عقد العمل الذي يلزم مجهز السفينة إيواء و إطعام رجال البحر. وهذا النعيم المرسخ في لاشعور الفرد سابقا يتمنى العودة إليه دائما. ويمثل النوم حالة من حالاته ولذلك فإننا نستمتع كثيرا بالنوم و نخلد إليه لا إراديا . فيما تبقى مسألة الرجوع إلى البحر مختلفة من شخص إلى آخر : فهناك من يفضل الذهاب للتأمل، وآخر للاستجمام أما المساكين أو البحارة فيفضلون الذهاب بلا رجعة.

و الرغبة في الخلود في البحر إشارة إلى درجة التعلق بالأم أو بفترة الحمل. وتعتبر الولادة مرحلة فاصلة بين النعيم الذي كان يعيشه الفرد والواقع الذي كان خرج إليه. ولهذا يطلق عليها في علم النفس بصدمة الولادة وهي تشكل النموذج الأصلي لكل المشاكل أو الصدمات التي تصيب الإنسان فيما بعد. وعندما يكون الفرد مرتبطا بفترة سابقة من عمره أو لصيقا بأمه فلأنه لم يستطع تجاوز هذه المرحلة حيث يظل يبحث عن الأمن الكافي الذي فقده في وقت معين ويبقى يتمناه في جميع مراحل عمره وهو ما يسمى بالنكوص.

وهذا النكوص يعتبر خللا في النمو النفسي وعدم الارتقاء إلى المراحل المناسبة حسب العمر. يرجع إذن الفرد إلى فترة الصبا باستمرار وقد يتصرف بصبيانية زائدة ولا يعتاد التعامل مع الآخر كما لا يتمتع بعلاقات اجتماعية واسعة. وقد أشار البحار والكاتب الفرنسي “Pierre Loti” في روايته “Matelot ” أن البحارة أطفال من الدرجة الأولى.

و يمكن أيضا ملاحظة أن الكثير من رجال البحر لا يتقنون فن الحوار والتواصل. وغالبا ما ينسبون هذا العوز إلى المعهد الذي درسوا به العلوم البحرية لغياب برامج تطوير النفس و التواصل. لكن الحقيقة أن عملية اتهام المدرسة الأم تتم بشكل غير واع كناية عن الأم الحقيقية التي وقع معها خلل في العلاقة النفسية في مرحلة متقدمة من حياة ابنها فلم يستطع تطوير مهاراته اللغوية بالقدر الكافي.

وفي اللغة الفرنسية، تنطق كلمة ” Mer ” و “Mère” بنفس الطريقة، وهذا لأن اللاشعور اللغة مبرمجين بنفس الطريقة حسب المحلل النفسي جاك لاكان. وهذه البنية المتشابهة ليست وليدة الصدفة و إنما تعود لمراحل سابقة من حياة البشر الجماعية . ذلك أن اللغة واللاوعي يتكونان على مراحل طويلة حتى يمكن أن يصبحا متداولين و مؤثرين في الناس. ومن خلال اللاوعي الجمعي أمكن استخلاص التشابه بين البحر و الأم على مستويات العطاء والجود و الأمن الذي يحتاجه البشر. وقد أنصفت اللغة الفرنسية البحر و الأم و جعلتهما وجهين لعملة واحدة.

وقد أثبت فريق بحث بجامعة برنستون الأمريكية أن خمسة دقائق أمام البحر تعادل أسبوعا من العلاج النفسي عند طبيب نفساني. وهذه الفرضية تبين دور البحر في تهدئة الجسم عضويا ونفسيا والشعور بالسكينة والراحة والطاقة الإيجابية. البحر يمنح الإنسان قدرة داخلية تعينه على مقاومة حالات تعكر المزاج وحالات الإصابة بالقلق والاكتئاب وتجديد الروح وتهدئة الدماغ وتقليص الأفكار الحادة. هذا الشعور بالقرب من البحر يحصل أيضا لدى الفرد مهما كان سنه ووظيفته عندما يعود إلى دفء الأم البيولوجية.

وإذا كانت الراحة والسكينة التي يحس بها الكائن الحي تحصل في مدة خمس دقائق فقط من التأمل في البحر، فهل ينطبق هذا على من يعيش فيه شهورا بل قد يصل هذا إلى مدة الثلثين من حياته في البحر؟

يتبع

(*) الكاتب العام للنقابة الوطنية لضباط الملاحة التجارية