يناير 13, 2026


رأي

محمد خليفة يكتب: هل يتغير العالم في العام الجديد؟


محمد خليفة (*)

إذا كانت طبيعة الإنسان تثير السؤال الصعب عن كينونته وماهيته، فإن مسيرته على الأرض تطرح السؤال الأصعب حول مآله ومصيره. سؤال حيّر الفلاسفة قديماً وحديثاً، واختلط فيه الديني بالفلسفي، ولا تزال المعارك الفكرية أشد فتكاً من المعارك الحربية.
يأتي العام الجديد والعالم حولنا مثقل بالأزمات، فليس هناك إلا صوت الحروب: حرب قائمة، وأخرى تلوح في الأفق. هذه الحروب، القائمة والمنتظرة، نتاج تراكمات طويلة من جراء الاستعمار الغربي الذي جثم على العالم في القرون الخمسة الأخيرة. وربما يكون عام 2026 هو عام الانتصاف والحساب في كل الجغرافيا السياسية في العالم. ففي أوروبا لا تزال روسيا تمثل بالنسبة إلى الأوروبيين العدو المتربص بأحلامها.
ثمّ الحروب الروسية السويدية بين 1788 و1809، والتي انتهت بزوال الإمبراطورية السويدية، وتحوّل السويد إلى دولة صغيرة في شبه جزيرة اسكندنافيا. ومن ثمّ شكّل الاتحاد السوفييتي السابق كابوساً على أوروبا، استمر خلال فترة الحرب الباردة، حتى انهياره. وحرب أوكرانيا الحالية امتداداً لذلك الصراع، ورغم اصطفاف أوروبا إلى جانب أوكرانيا، إلا أنها فشلت في تحقيق النصر، وصارت الكفة تميل نحو روسيا التي تتقدم على الأرض كل يوم. ولا تزال أوروبا تتخبط في إدارة هذا الملف، بخاصة بعد تخلي الحليف الأمريكي عنها.
ولم تتمكن قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة من الإجماع على وضع اليد على الأموال الروسية المجمّدة في بنوك بلجيكا، وتم الاتفاق على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا من ميزانية دول الاتحاد، وهو قرض لن يشمل المجر. هذه الأموال قد لا تنقذ أوكرانيا من السقوط والخسارة.
وقد أدركت الولايات المتحدة، الشريك عبر الأطلسي، استحالة هزيمة روسيا، ولذلك عقدت عزمها على مفاوضتها لإنهاء الحرب، وتحقيق السلام، عبر مسار سياسي تهدف من خلاله الدولتان إلى الوصول إلى صيغة سلام يقبل بها كل الأطراف. وتسير عملية التفاوض بثبات، وسوف تستمر، حتى تيتم كتابة بنود اتفاق السلام النهائي، في العام الجديد.
ومن المتوقع أن تكون الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت فخضوع أوكرانيا لشروط روسيا لوقف الحرب، واستنزاف ثروات الاتحاد الأوروبي، المثقل بالأزمات، للتسليح بعد تخلي الحليف الأمريكي عنهم، واقتراب دول عدّة من حافة الإفلاس، مثل: اليونان، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، والعديد من دول شرق أوروبا، لن يتمكن اقتصاد الاتحاد الأوروبي من تحمل كل تلك الكوارث، وبالتالي فإن مصير هذا الاتحاد يتجه إلى الهاوية.
على الجانب الآخر، لا يبدو الحليف الأمريكي أسعد حظاً من الأوروبيين إذا استمرت الاستفزازات ضد فنزويلا، بهدف إحداث فوضى داخلية، وتمكين زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الموالية لأمريكا، حتى وإن تم منحها جائزة نوبل للسلام لتقوية مركزها. فالعداء للولايات المتحدة يزداد، بخاصة في ظل نمو اليسار في القارة الجنوبية.
وفي الشرق الأوسط، هناك احتقان قد ينفجر في أية لحظة، بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، فقد ادّعت إسرائيل أنها تشتبه في أن إيران تُحضّر لهجمات مباغتة عليها. وتنبع مخاوفها من المناورات العسكرية واسعة النطاق التي أجرتها إيران. وعلى الرغم من أن تلك الحرب القصيرة السابقة قد أضعفت إيران، لكن لم تنهِ كل قوتها، وقد عملت إيران، خلال الشهور التي أعقبت الحرب، على إعادة بناء جيشها، وقدراتها العسكرية، ولذلك، فإن خطر نشوء حرب جديدة بين الدولتين هو أمر قائم.
أما في جنوب آسيا فكانت حرب الأيام الأربعة في شهر مايو/ أيار الماضي، بين الهند وباكستان مجرّد اختبار بسيط لقدرات الدولتين، ومن المرجح أن تتجدّد في أيّ لحظة لاستعادة كبرياء الهند المجروح، وليس بعيداً ما يدور في الشرق الأقصى حيث يتعاظم الخلاف حول جزيرة تايوان، بين الولايات المتحدة والصين. وتستعد هذه الأخيرة للقيام بعملية عسكرية لاستعادة هذه الجزيرة التي تعتبرها جزءاً من أراضيها. وقد يكون هذا العام هو عام المواجهة الكبرى بين الدولتين، والتي ستبدأ في خليج تايوان، ومن المرجّح أن تساند دول الجوار، خاصة اليابان وأستراليا، حليفتها الولايات المتحدة ضد الصين، بينما ستنحاز روسيا وكوريا الشمالية إلى جانب الصين. ولا شك في أن كلا الجانبين يمتلك أسلحة قادرة على تدمير كوكب الأرض.
وعلى الرغم من أننا نتمنى أن يكون 2026 عاماً سعيداً للبشرية، لكن قراءة الواقع تختلف عن الأماني، بخاصة أن العديد من القادة لم يقرأوا شيئاً من دروس التاريخ، ولم يتعلموا من حاضرهم شيئاً.


(*) إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

 

Related posts

الجابري والعروي: سيرة متقاطعة

المستقبل

محمد خليفة يكتب: هند رجب.. أنشودة الحياة

المستقبل

الدكتور محمد خليفة يكتب: القيم العالمية.. والمستقبل القاتم

المستقبل