تسير الإنسانية على نسق واحد، بينما تتعدد الحضارات على مر الزمان، وتختلف وتتنوع باختلاف المكان، كما تتنوع الثقافات حتى داخل الحضارة الواحدة، والحضارة، في حقيقتها، ما هي إلا تجسيد لعمارة الإنسان لهذه الأرض، حتى يخلد ذكره، ويعلو شأنه على مر التاريخ، وهو في سبيل ذلك ينتج الثقافات، ويخترع كل ما يمكنه من العيش آمناً مستقراً في مكانه، سواءٌ أكانت هذه المنتجات تشريعات أم فلسفات أم أدوات ومخترعات.
وقد تأسست الحضارة الحديثة على وحدة المعرفة، ومجتمع المعرفة، وإرادة المعرفة ما مكّن الإنسان من أن ينطلق من عالم الأرض إلى عالم الفضاء على رحابته واتساعه، حتى يحفظ للحضارة تمددها، معتمداً على الجغرافيا السياسية والعلوم الطبيعية من جهة، والعلوم الاجتماعية والإنسانية من جهة أخرى.
لقد سجل التاريخ، عبر صفحاته المشرقة، أن الكيانات والدول التي تبقى وتتطور، هي تلك الكيانات المرنة التي تقبل التغيير والتعديل في الأسس التي تتمحور حولها السياسات، وفقاً للمتغيرات والمستجدات، وتتمحور أهمها بشكل رئيس في ثورة الاتصالات والمعلومات التي أنتجت للعالم صناعة جديدة تقوم على أجهزة تقنية بالغة الدقة، أسهمت في تحقيق تقارب شديد التداخل، تنصهر فيه سعة المكان مع ثواني الزمان. كما أوجدت هذه الثورة العلمية أنماطاً من التواصل بين الناس في شتى بقاع الأرض. غير أن الأحداث الكبيرة التي هزت العالم وكشفت بعداً عن الإيديولوجيا وأوهامها، بعد الحرب الروسية الأوكرانية وتأثر الاقتصاد العالمي بالحرب. هذا الصراع أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح وأزمة إنسانية كبيرة من نزوح ملايين الأشخاص.
وأيضاً أحداث غزة، وتسبب الحرب في تدمير واسع النطاق في القطاع، وتبين أن الغرب بالرغم من كل هذه التكنولوجيا والتقارب الإنساني فإنه يعيش حالة من الفوضى في كل شيء، والشعوب هي التي تدفع الثمن موتاً وجوعاً وخراباً.
لقد تم خلق عالم جديد، اختلت فيه، بشكل غير مسبوق، موازين كل الأشياء، ما أدى إلى تفكيك الذات، بدءاً بانطباعات الإنسان وأفكاره، مروراً بمشاعره، وحتى منشأ العدالة والظلم في المجتمع الإنساني، وظهر التراجع الاقتصادي في الغرب لأول مرة في دول راسخة اقتصادياً مثل: بريطانيا وألمانيا، بل إن دول الاتحاد الأوروبي كلها فقدت القدرة على بذل المزيد من الجهود لتحسين وضعها الاقتصادي، لأنها وصلت إلى خط النهاية.
كما أن أوضاع الولايات المتحدة، التي سيطرت على العالم عدة عقود، ليست أفضل حالاً من أوضاع مثيلاتها في أوروبا، بل إنها تتخبط في سياساتها، فقد اشتد الصراع الحزبي بين الحزبين المتصارعين على الحكم، وهيمنت اللوبيات السياسية وأصحاب المال، على القرار السياسي، بالإضافة إلى اختلاف وتباين سياسات الحزبين في الرؤى حول الطريقة التي يمكن بها إنقاذ الاقتصاد الأمريكي، ما يعني أن العالم قد تغير في غير مصلحة الغربيين، وهذا التغير سيفقد الغرب قدرته على القيادة والسيطرة كما كان طوال القرن الماضي، لكن ذلك لن يؤدي إلى نهاية عصر الغرب، على الأقل في الأمد القريب، لأن معظم الشركات الفاعلة في قطاعات حيوية مهمة للعالم، مثل: التكنولوجيا المتقدمة والطيران والاتصالات موجودة في الغرب، وشركات الأدوية في العالم، التي قدمت إسهاماتها في مئات الأنواع الجديدة من الأدوية لعلاج أمراض مختلفة، وأيضاً فإن شركات الإنترنت المهمة تقدم خدماتها لغالبية سكان العالم.
في الواقع هناك رسوخ في دول الغرب سواء أكان رسوخاً في أنماط الحكم، أو في الصناعات المختلفة، وهذا الأمر لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة تراكمات طويلة عبر قرون عديدة، ففي الغرب ظهرت نظريات السياسة الحديثة، وفيه ظهرت الصناعة وتطورت وانتشرت في العالم. وقد نجح الغرب في تحصين نفسه بأعتى أنواع الأسلحة، وقيام اتحاد موحد، والانضمام تحت جناح الحليف الأمريكي ضمن حلف الناتو، كل ذلك ليتلافى وقوع أي هجوم ضده.
إن افتقاردول أوروبا تحديداً إلى كميات وافرة من مصادر الطاقة يلعب دوراً سلبياً في استقرار اقتصاد هذه الدول. غير أن كل ذلك لن يؤدي إلى حصول كارثة للغربيين، لأن لديهم أنواعاً أخرى من الطاقة البديلة كالفحم الحجري، ومن الطاقات الجديدة والمتجددة كالطاقة النووية وطاقة الماء والرياح، لكن من المؤكد أنهم فقدوا التفرد في حكم العالم، ولن يستطيعوا بعد اليوم فعل ما يشتهون في هذه الدولة أو تلك، أو فرض السياسات التي يريدونها في المحافل الدولية، ذلك أن روسيا والصين قوتان عظميان حقيقيتان، وهما لن تقبلا إلا بالمشاركة الكاملة في حكم العالم، والأمور بين الجانبين تقف على شفير الحرب، وكل الخيارات قائمة، فإما أن يقبل الغرب بروسيا والصين كقوتين عظميين وإما أن يحاربهما، وبعض المحللين يتوقع الحرب، وهناك من يستبعدها، وكلا الأمرين وارد، لكن المؤكد أن الغرب لم يبق كما كان من قبل، بالرغم من إنجازاته العلمية.

