يناير 21, 2026


رأي

محمد خليفة يكتب: فنزويلا.. والهيمنة الأمريكية


محمد خليفة (*)

في عالم السياسة اليوم ما يجري خلف الكواليس شيء، وما يبدو على السطح شيء آخر، الحروب قد تتحول إلى عروض مسرحية، ويتفرد الإعلام بإخراج المشهد العبثي، التاريخ يعيد نفسه لكن بصورة أكثر حداثة.
عالم يغص بالنشرات والأحداث العاجلة، والمساجلات السياسية التي تنبض بالعداوة والبغضاء والقتل والاختطاف في شتى بقاع الأرض من كل حدب في سرعة، لترسم المشهد وتبرزه. قلق يسود العالم من تبعات تلك الحروب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. إن الإنسان ليدهش، ففي قرون الظلام كان الصراع من أجل الحياة، وفي عصور تالية صار القتل بحثاً عن السلطة والثروة، وبين هذا وذاك كانت الصراعات الدينية والعرقية والمذهبية تشعل الحروب بين الفينة والأخرى.
لم يختلف الواقع كثيراً في عصر العلم، حيث وقعت الحربان العالميتان الأولى والثانية لتزهقا أرواح ملايين البشر في أصقاع كثيرة من العالم، ورغم أن الدماء واحدة إلا أن المبررات اختلفت، وتزيا الباطل ثوب الحق، وأصبح القوي يسيطر على السلاح والقرار والتبرير في ركام الباطل والضلال والألم الدائم، في متاهات المادية، وجحيم الأطماع والاستغلال والحروب تحت منظومة يحكمها نسق الهيمنة الأحادية القطب من قبل القوى العاتية التي تبدو كأنها نهائية القوة والسطوة.
في مشهد عبثي نفذت قوات النخبة في الجيش الأمريكي المدربة على اجتياز التحصينات، عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من بين جنده وجيشه وشعبه، التي هزت كبرى ثوابت العقل الإنساني أمام المشهد السيريالي، بما يعني أن البقاء ليس للحق وإنما للأقوى، ويتقوض جوهر الوجود الراديكالي تحت أقدام الذرائعية والنفعية وتلك خسارة أخلاقية للبشرية، التي ستبقى عالقة بجوهر مفهوم التاريخ ومواثيق الأمم المتحدة التي شيدها علماء القانون ورجال الفكر عبر كل الثقافات.
بهذه العملية، التي تشبه حرب العصابات، انفجرت منظومة السياسة الأمريكية، فتطايرت شظايا كل المرجعيات التي تأسست عليها الأمم المتحدة، لكنها تفتتت بين فضاءات المفاهيم والفوارق النفعية والذرائعية أو البراغماتية والمكيافلية. ويعد اختطاف الرئيس مادورو أعظم خطأ استراتيجي وقعت فيه السياسة الأمريكية، وهو إلغاؤها الكلي لمفهوم القانون الإنساني، بعد أن غمرته كلياً بغطاء السياسة تحت مظلة الإدانة المباشرة، فالذي جرى لا ينذر فقط بإعادة رسم الخرائط الجغرافية وإنما ينبئ عن حتمية إعادة تشكيل خريطة المفاهيم التي كان العالم يعيش على أثرها قانون السياسة، وذلك عندما أقدمت الولايات المتحدة على خطف الرئيس الفنزويلي بعد أن تم قتل كامل فريق حراسه، بمن فيهم أكثر من 32 ضابطاً كوبياً.
إن عملية اعتقال مادورو بهذه الطريقة المؤلمة قد مثّلت انتهاكاً واضحاً لمفهوم سيادة الدولة وفق القانون الدولي. وقد عرّفت اتفاقية مونتفيديو في أوروغواي، عام 1933، الدولة بأنها كيان ذو سيادة. وقد كان ذلك خلال المؤتمر الدولي السابع للدول الأمريكية في الشمال والجنوب، وقد اعتبرت تلك الاتفاقية أن السيادة هي المبدأ الأساسي للدولة، وهي تعني السلطة العليا والمستقلة للدولة داخل أراضيها بمنأى عن أي تدخل خارجي. وقد تحدد مفهوم السيادة للدولة بوجود أربعة أركان: «وجود سكان دائمين، وإقليم محدد، وحكومة، والقدرة على إقامة علاقات مع دول أخرى».
وقد أعلن رئيس الولايات المتحدة، آنذاك، فرانكلين روزفلت ووزير الخارجية كورديل هل، سياسة حسن الجوار، التي عارضت التدخل العسكري الأمريكي في الشؤون الأمريكية المشتركة.
وأصبحت تلك الاتفاقية هي الأساس في العلاقات بين الدول. لكن الولايات المتحدة التي وقعت على تلك الاتفاقية كانت هي أول من قام بخرقها في عمليات تدخل كثيرة في أمريكا اللاتينية، عندما أنشأت ودعمت ما سمي «قوات الكونترا» من أجل قتال الاشتراكية الساندينية الممثلة بالمجلس العسكري لإعادة الإعمار الوطني في نيكاراغوا. ومن ثمَّ قامت بعملية عسكرية في بنما عام 1989 أدت إلى اعتقال الرئيس البنمي مانويل نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة ومحاكمته وسجنه هناك.
واليوم تقوم الولايات المتحدة بعمل مماثل وبانتهاك واضح لسيادة دولة مستقلة هي فنزويلا، تحت ذرائع واهية، أما الهدف الحقيقي فهو وضع اليد على نفط وخيرات تلك الدولة التي تبلغ مساحتها نحو 917 ألف كيلو متر مربع، وهي لا تزال، في معظمها، أرضاً بكراً زاخرة بثروات غير محدودة. لكن هل تؤدي تلك القرصنة التي قامت بها الولايات المتحدة إلى اعتبار فنزويلا ولاية تابعة للولايات المتحدة؟ في الواقع أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد اعتبر أن تلك العملية التي قام بها الجيش الأمريكي قد وضعت فنزويلا في يد الولايات المتحدة. وعلى الرغم من تعمّد الصحافة الغربية إظهار ما أسمته «احتفالات الشعب الفنزويلي» بالخلاص مما أسمته «الرئيس المخلوع»، إلا أن الواقع في فنزويلا غير ذلك، وكذلك التظاهرات التي جرت في العديد من دول العالم، ومنها الولايات المتحدة تؤكد أن إدارة ترامب في مأزق سياسي وقانوني، ما قد يجعلها تخسر كل حلفائها في المستقبل.


(*) إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

Related posts

محمد خليفة يكتب: القيم الأمريكية.. والزلزال السياسي

المستقبل

ذ. إيوزي يكتب: قراءة نقدية في ضوء قرينة البراءة والحق الدستوري في الترشح

المستقبل

محمد خليفة يكتب: الأمم المتحدة أمام مفترق طرق

المستقبل