احتضنت مدينة الدار البيضاء، يوم الخميس 22 يناير 2026، ورشة تحسيسية وتكوينية لفائدة الصحفيين حول نظام العقوبات البديلة، تم تنظيمها في إطار برنامج “العقوبات البديلة في المغرب”، الذي ينفذه المركز الوطني لمحاكم الولايات المتحدة، بشراكة مع وزارة العدل والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وبدعم من المكتب الدولي لمحاربة المخدرات وإنفاذ القانون (INL) التابع لوزارة الخارجية بالسفارة الأمريكية بالرباط.
وتهدف هذه الورشة، التي نظمت بشراكة مع جمعية “حلقة وصل سجن–مجتمع”، إلى تعزيز فهم الفاعلين الإعلاميين لمفهوم العقوبات البديلة، وسياقات اعتمادها بالمغرب، وأدوار مختلف المتدخلين في تنفيذها، في ظل التحولات التي تعرفها السياسة الجنائية الوطنية، والرامية إلى تقليص اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية، والحد من الاكتظاظ السجني، وتعزيز آليات الإدماج الاجتماعي.
وشكل اللقاء، الذي أشرف على تسيير أشغاله الدكتور محمد بوزلافة، الخبير في القانون الجنائي وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مناسبة لتعميق النقاش حول التحولات التي يعرفها النظام العقابي المغربي، في اتجاه تقليص الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية، واعتماد بدائل قانونية تراعي مبدأ تفريد العقوبة، وتوازن بين متطلبات الردع وضمان إعادة الإدماج، حيث تم التأكيد على أن العقوبات البديلة لا تشكل تخفيفاً للعقوبة بقدر ما تمثل تحولاً نوعياً في فلسفة العدالة الجنائية، من منطق الزجر والعقاب إلى منطق الإصلاح وإعادة الإدماج، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية، ومقتضيات الدستور المغربي، والالتزامات الدولية للمملكة في مجال حقوق الإنسان.
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت لبنى بوحديد، مديرة مكتب المغرب للمركز الوطني لمحاكم الولايات أن هذه الورشة تندرج ضمن جهود مواكبة ورش إصلاح العدالة الجنائية، وتعزيز قدرات الفاعلين الإعلاميين في فهم فلسفة العقوبات البديلة وأبعادها القانونية والحقوقية، وشددت على أهمية انخراط مختلف المتدخلين المؤسساتيين في إنجاح تنزيل هذا النظام الجديد.
وخلال العروض المقدمة والنقاشات المفتوحة، تم تقديم عرض مفصل حول الإطار القانوني المؤطر للعقوبات البديلة، كما جاء به القانون رقم 43.22، الذي عدل مجموعة القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، وأحدث باباً خاصاً بالعقوبات البديلة وآليات تنفيذها. ويتيح هذا القانون للمحاكم، في حالات محددة، إمكانية استبدال العقوبات الحبسية بعقوبة أو أكثر من العقوبات البديلة، في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها من أجلها خمس سنوات حبسا نافذا، مع استثناء الجرائم الخطيرة وحالات العود.
وفي هذا السياق، توقف محمد بوزلافة، في عرضين متكاملين، عند المدخل المفاهيمي والمرجعي للعقوبات البديلة، ثم عند الإطار القانوني والإجرائي والموضوعي المنظم لها، مبرزاً أن هذه العقوبات تشمل العمل لأجل المنفعة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، إضافة إلى الغرامة اليومية، مع توضيح شروط الحكم بها والضمانات القانونية المصاحبة لتنفيذها.
كما تم التطرق إلى الأهداف المتوخاة من اعتماد العقوبات البديلة، وفي مقدمتها الحد من الاكتظاظ السجني، وتقليص حالات العود، وتعزيز فرص إعادة الإدماج الاجتماعي، مع التأكيد على أن هذه العقوبات لا تعفي من المسؤولية الجنائية، بل تخضع لمساطر دقيقة للتتبع والمراقبة، يشرف عليها قاضي تنفيذ العقوبات، بتنسيق مع النيابة العامة والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج.
وتناولت النقاشات، أيضا، الأبعاد العملية والمؤسساتية لتنفيذ هذه العقوبات، وأدوار كل من القضاء، والنيابة العامة، وقاضي تنفيذ العقوبات، والمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، إضافة إلى المجتمع المدني كشريك أساسي في إنجاح العقوبات المجتمعية، وضمان فعاليتها على مستوى الحد من العود وتحقيق الإدماج.
وفي عرض ثالث، استعرض زهير الخليفي، رئيس مصلحة الشراكة لتكوين وتشغيل السجناء بمديرية العمل الاجتماعي والثقافي لفائدة السجناء وإعادة إدماجهم، جهود المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج في مجال تنزيل العقوبات البديلة، خاصة ما يتعلق بالتدابير الإجرائية المعتمدة، وتتبع تنفيذ العقوبات المجتمعية، وتعزيز الشراكات مع مختلف الفاعلين، بما يضمن استمرارية مسار الإدماج وإعادة التأهيل.
وشهدت الورشة تفاعلاً ونقاشاً مفتوحاً بين المتدخلين والصحفيين المشاركين، تم خلاله التطرق إلى الإكراهات العملية المرتبطة بتنفيذ العقوبات البديلة، ودور الإعلام في مواكبة هذا الورش الإصلاحي، عبر تبسيط المفاهيم القانونية وتنوير الرأي العام بشأن رهانات العدالة الجنائية الجديدة، والتصدي للصور النمطية المرتبطة بالعقوبة والسجن، بما يعزز الثقة المجتمعية في العدالة، ويكرس ثقافة بديلة قوامها المسؤولية، والكرامة الإنسانية، والعدالة التصالحية.
واختُتمت أشغال الورشة بالتأكيد على أن العقوبات البديلة تشكل ركيزة أساسية في تحديث منظومة العدالة بالمغرب، وترسيخ مقاربة عقابية أكثر نجاعة وإنصافاً، تقوم على الإصلاح وإعادة الإدماج بدل الاقتصار على العقوبات السالبة للحرية.
جدير بالذكر أن هذه الورشة تأتي في سياق وطني ودولي يتسم بتزايد الدعوات إلى اعتماد بدائل العقوبات السالبة للحرية، استنادا إلى قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية (قواعد طوكيو)، وقواعد نيلسون مانديلا، باعتبارها مرجعيات دولية تشجع على تقليص اللجوء إلى السجن، خاصة في الجرائم غير العنيفة، وتعزيز نجاعة السياسات العقابية.

