ذ/ يوسف عبد القاوي
شهدت الساحة القانونية اليوم مفارقة صارخة، تجلت في “خرجة” برلمانية باهتة لحارس الأختام، قابلتها “ملحمة” فكرية وحقوقية لرئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، فبينما كان الوزير يغرق في لغة الإجراءات، كان النقيب الحسين الزياني يبني صرح الحجة الدامغة في ندوة اليوم بالرباط، مسقطا “قناع التشارك” عن مشروع وزارة العدل، ومعلنا انتصار “رسالة الدفاع” على “هواجس الإدارة”، وبين الدستور والمواثيق الدولية حاصر السيد الرئيس مشروع الردة والعقوق في زاوية عدم المشروعية.
1. “المحاماة: حصن دستوري لا “آلة” إجرائية”:
لم يكن خطاب رئيس الجمعية مجرد رد فعل قطاعي، بل كان محاكمةً فلسفية لمشروع القانون رقم 66.23. لقد وضع الوزارة أمام مرآة الحقيقة: المحاماة ليست مجرد ترسا في آلة إجرائية لتصريف الملفات، بل هي سد منيع ضد أي تغول للسلطة على الأفراد.
إن محاولة الوزير اختزال المهنة في “أدوار تقنية” هي إجهاض لمقومات العدالة، فالمواطن لا يحتاج إلى “محامٍ خائف” أو مسلوب الإرادة، بل إلى دفاع شجاع يجسد روح الدستور والتوجيهات الملكية السامية التي تقر باستقلالية المؤسسات.
2. “الحوار المسموم: من الإصغاء إلى الخذلان”:
كشف رئيس الجمعية زيف “المقاربة التشاركية” التي يتغنى بها الوزير. فبعد حوارٍ مطلع دجنبر الماضي سادته “إشارات إيجابية” ووعود بالإنصات، صدم الجسم المهني بمشروع قانون “مسلوخ” من كل التوافقات، وخال من الضمانات الجوهرية.
رسالة المحامين واضحة: نحن مستعدون للحوار، لكننا نرفض أن نكون “كومبارس” في مسرحية لتدبير الزمن. الحوار الحقيقي هو الذي ينعكس أثره على النص والقرار، لا الذي يستخدم لتبييض مشروعات قوانين تصاغ في الغرف المغلقة وتسقط الحقوق الدستورية بالضربة القاضية.
3. “معركة السيادة لا معركة النصوص”:
بذكاء قانوني فذ، نقل النقيب الزياني المعركة من “نزاع فئوي” إلى “قضية وطن”.
إن معارضة هذا المشروع ليست “أوتوماتيكية” أو أنانية، بل هي معركة حول “إنتاج المعنى” وتحصين “دولة الحق والقانون”.
الموقف: المشروع لا يعنينا ولا نتحمل مسؤوليته حالا أو مستقبلا.
الخطر: إخضاع المحاماة لرقابة السلطة التنفيذية يحول المحامين إلى موظفين تقنيين، ويورث للأجيال القادمة مهنة مهيضة الجناح.
المرجعية: المشروع يصطدم صراحة مع المبادئ الدولية (تقرير مونيكا بينتو 2016) التي تلزم الدول بـ “تجنب أي تدخل في استقلالية هيئات المحامين”.
4. “كلفة النضال وضريبة العدالة”:
رغم مرارة تجميد الجلسات وشلل المحاكم، أكدت الجمعية أن المتضرر الأول هو المواطن، لكن الضرر الأكبر والأدوم هو القبول بـ “عدالة ضعيفة”.
إن نضال المحامي اليوم ليس ضد العدالة، بل هو صرخة لإنقاذها من “المسخ التشريعي” الذي يهدد استقلاليتها.
أمام الحجة الدامغة التي قدمها أصحاب البذلة السوداء، تقزم خطاب الوزير وبدا “حارس الأختام” في موقف الدفاع، عاجزا عن تبرير مشروع يولد ميتا حقوقياً. المعركة اليوم لم تعد معركة نصوص، بل هي اختبار حقيقي لمدى صمود “دولة المؤسسات” أمام رغبات “التحكم الإداري”.
يبقى السؤال معلقا فوق قبة البرلمان: هل يملك الوزير شجاعة التراجع أمام فيض الحجج، أم سيستمر في الهروب إلى الأمام ضاربا عرض الحائط بالمواثيق الدولية والدستورية؟

