فبراير 10, 2026
رأي

محمد خليفة يكتب: بريطانيا.. والحرب العالمية الثالثة

محمد خليفة (*)

تمكنت بريطانيا خلال القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، من بناء أكبر إمبراطورية عرفها التاريخ، تمتد من الصين والهند إلى أستراليا والهند الصينية، مروراً بالشرق الأوسط وإفريقيا إلى قارة أمريكا.
لكن عجلة التاريخ، في دورتها المعتادة منذ آلاف السنين، دارت عليها، كما دارت على غيرها من الممالك الكبرى منذ فجر التاريخ، فأصبحت مجرد دولة، لا تملك المقدرة على شن الحروب ولا إدارة الأزمات، بل وأضحت تتكئ في ذلك على الولايات المتحدة الأمريكية، وتحارب تحت مظلتها وترفع صوتها ضد الخصوم، وتعلن وجودها كقوة عالمية عظمى. وفي خطاب ألقاه مؤخراً رئيس الوزراء كير ستارمر، تزامناً مع صدور مراجعة استراتيجية لقدرات البلدان الدفاعية، قال إن مستوى التهديدات الذي تواجهه المملكة المتحدة بلغ درجة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، وأن هدف القوات المسلحة أصبح الاستعداد الكامل للقتال. ومن جانبه، حذر رئيس أركان القوات المسلحة البريطانية ريتشارد نايتون، يوم الاثنين الماضي، من أن روسيا تمثل تهديداً غير مسبوق منذ جيلين، داعياً إلى أن يكون عدداً أكبر من البريطانيين مستعدين للقتال دفاعاً عن البلاد. وأشار رئيس الأركان إلى أن بلاده تتعرض لهجمات روسية شبه يومية تشمل هجمات سيبرانية وعمليات تخريب.
غير أن هذه الآمال الكبيرة في العودة إلى ممارسة أدوار امبراطورية من جديد، تناقضها وقائع الحال، فقد حذر جنرالات أمريكيون في تقرير نشرته صحيفة «التايمز» من تراجع قوة الجيش البريطاني، وانخفاض عدد القوات إلى مستويات قياسية، ما يؤدي إلى تقليل القدرات القتالية، حيث إن عدد الجنود النظاميين سينخفض 68 ألف جندي بحلول عام 2026، وهو انخفاض كبير وأقل من قوات العمليات الخاصة الأمريكية.
ومنذ تشكيل مملكة بريطانيا العظمى في مطلع القرن الثامن عشر «التي خلفتها المملكة المتحدة لاحقاً»، شاركت القوات المسلحة البريطانية في معظم الحروب الكبرى التي شاركت فيها القوى العظمى في العالم، بما في ذلك حرب السنوات السبع ضد فرنسا، وحرب الاستقلال الأمريكية، والحروب النابليونية، وحرب القرم بين روسيا والدولة العثمانية، والحربين العالميتين الأولى والثانية. ومكنت هذه الانتصارات بريطانيا، في معظم هذه الحروب، من لعب دور كبير في التأثير في الأحداث العالمية، وترسيخ مكانتها كواحدة من القوى العسكرية والاقتصادية الرائدة في العالم.
وخلال الحربين العالميتين، تحديداً، استقدمت بريطانيا ملايين المقاتلين من مستعمراتها في شرق العالم وغربه للقتال ضد دول الوسط والمحور، وكان ذلك سبباً من أسباب انتصارها في الحربين، ولا سيما الأولى منهما، والتي كان نصرها فيها باهراً. وحتى أوائل التسعينات، كانت المهمة الأساسية للجيش البريطاني هي الاستعداد لقتال شامل على غرار الحرب العالمية الثانية، ولكن مع نشر الأسلحة النووية في ساحة المعركة، والحروب في أفغانستان والعراق، فقد عملت بريطانيا على إعادة التركيز على العمليات الأخف التي تناسب الصراعات الأصغر حجماً وعمليات مكافحة التمرد.
غير أن الحرب الأوكرانية قد دفعت بريطانيا، ومجمل الغرب إلى التفكير في إعادة بناء الجيوش الكبيرة، لكن الواقع ينبئ بعجز تلك الدول عن القيام بذلك، فقد تغير العالم كثيراً وزادت المنافسة الاقتصادية بشكل هائل، وتراجعت ثروات الغرب، وتراجعت حظوظه في نيل المراتب المتقدمة، في ظل ظهور قوى عظمى جديدة منافسة له، كما أن دول الغرب، خاصة بريطانيا وفرنسا، قد فقدت الكثير من مستعمراتها القديمة، والتي كانت تعتمد عليها اعتماداً كلياً اقتصادياً وعسكرياً.
وبالنسبة لبريطانيا فقد أسهم خروجها من الاتحاد الأوروبي في زيادة مشاكلها الاقتصادية، حتى وصلت إلى مرحلة تنذر بإفلاسها، وبالتالي لم يعد لديها قدرات على تجييش الجيوش، ولا إثارة الحروب. ورغم أنها قد أنفقت نحو ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع منذ ثلاثة أعوام، ولديها ثاني أعلى ميزانية دفاعية في حلف شمال الأطلسي بعد الولايات المتحدة. لكن ذلك لم يؤدِ إلى تحسين أداء الجيش ورفع مستوياته القتالية. ومؤخراً أطلق جهاز الاستخبارات العسكرية البريطانية صفارة الإنذار من «نهاية الطريق»، وأبلغ مسؤولون في الجهاز صحيفة «الغارديان» أن النتيجة التي وصلوا إليها اعتمدت على عوامل أبرزها: الأزمات في الشرق الأوسط، وسعي روسيا إلى تحقيق أجندة توسعية، وتطوير الصين أسلحة متقدمة.
ويتفق مسؤول استخباراتي، مع تصريح سابق لوزير الدفاع البريطاني جرانت شابس، لفت خلاله إلى انتقال المملكة المتحدة والغرب من عالم ما بعد الحرب بالإشارة إلى الحرب العالمية الثانية إلى عالم ما قبل الحرب. والمسؤول رجح حدوث ذلك في أي وقت قريب، بشكل يعكس عدم الاستقرار في المنطقة، نتيجة الحرب الإسرائيلية والتهديدات الأمريكية ومشاركة الولايات المتحدة إسرائيل في الهجوم الأخير على إيران.

(*) إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

Related posts

فؤاد بوعلي يكتب: اللغة العربية في التعليم العالي: أيها الوزير جاءك الرد من مدارس التسيير

المستقبل

محمد خليفة يكتب: العدل.. والسلام العالمي

المستقبل

بوهدوز يكتب: حكومة المونديال..

المستقبل