د. يوسف مزوز
تمّ تقديم إطلاق خارطة الطريق «AI Made in Morocco» باعتباره محطة مفصلية في مسار التحول الرقمي في المغرب، وجاء هذا الحدث، الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، ليؤكد طموح الحكومة في بناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي، وتعبئة الفاعلين العموميين والخواص، وتقديم المغرب كفاعل إقليمي قادر على مواكبة التحولات التكنولوجية الكبرى.
الخطاب كان واضحًا، والمفردات المستعملة ركزت على السيادة والابتكار، فيما سعى شعار «صنع في المغرب» إلى ترسيخ سردية جديدة حول الاستقلال التكنولوجي. غير أن هذا الطموح المعلن يخفي غيابًا لافتًا لسؤال جوهري لم يُطرح بما يكفي في النقاش العمومي، وهو سؤال المعطيات.
فالذكاء الاصطناعي لا يُبنى أساسًا بالخطابات ولا بخطط العمل، بل بالمعطيات. معطيات ضخمة، مهيكلة، مرتبطة بالسياق، وخاضعة لضبط قانوني واضح، والحال أن الواقع المغربي يُظهر أن جزءًا كبيرًا من المعطيات المنتَجة داخل التراب الوطني، بما في ذلك تلك الصادرة عن الإدارات العمومية، يتم تخزينه ومعالجته اليوم عبر منصات سحابية أجنبية، وخاضع لأطر قانونية لا تنتمي إلى السيادة الوطنية. هذه الوضعية لم تعد استثناءً، بل أصبحت بنيوية مع تسارع رقمنة الخدمات العمومية والخاصة، ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: هل يمكن الحديث فعلاً عن ذكاء اصطناعي « صنع في المغرب » في حين أن مادته الأولية، أي المعطيات، توجد إلى حدّ كبير خارج التراب الوطني.
على المستوى المعياري، يشكل الإطار المرجعي في مجال أمن نظم المعلومات للدولة « المديرية الوطنية لأمن نظم المعلومات » أو ما يُعرف بـ« التوجيه الوطني لأمن نظم المعلومات » الذي ينص صراحة على أن المعطيات الحساسة يجب أن يتم إيواؤها داخل التراب الوطني ضمانًا لحمايتها وصونًا لسيادة الدولة على أصولها المعلوماتية، المبدأ واضح في صياغته، غير أن تنزيله العملي يطرح إشكالات متعددة، أول هذه الإشكالات يتعلق بتحديد مفهوم « المعطيات الحساسة »، فالنص المرجعي يشير إلى هذا المفهوم دون تقديم تعريف عملي ودقيق ومتداول على نطاق واسع، هل يتعلق الأمر فقط بالمعطيات المرتبطة بالدفاع والأمن الوطني، أم يشمل أيضًا معطيات الحالة المدنية، والمعطيات الجبائية والمالية، ومعطيات الصحة، والمعطيات الاجتماعية، أو بصفة أوسع كل معطى استراتيجي تنتجه أو تحتفظ به الإدارة العمومية، في غياب تحديد قانوني واضح ومشترك، يبقى تصنيف المعطيات الحساسة خاضعًا لاجتهادات متفاوتة بين الإدارات والمشاريع والمتدخلين التكنولوجيين.
ويفضي هذا الغموض إلى سؤال أكثر حساسية، وهو مدى التزام مختلف الإدارات العمومية فعليًا بمقتضيات هذا التوجيه الوطني، فالواقع العملي يُظهر أن رقمنة الإدارة المغربية اعتمدت في حالات كثيرة على حلول جاهزة، ومنصات تعاونية، وأدوات لتحليل المعطيات يكون إيواؤها ومعالجتها خارج التراب الوطني، وغالبًا ما تُبرَّر هذه الاختيارات باعتبارات السرعة، أو الكلفة، أو النجاعة التقنية. غير أن ذلك يطرح تساؤلات حقيقية حول مستوى الامتثال الفعلي لمبدأ توطين المعطيات الذي ينص عليه التوجيه الوطني، وإلى حدود اليوم، لا توجد معطيات عمومية مُجمَّعة تُمكّن من معرفة نسبة التزام الإدارات، أو طبيعة الاستثناءات الممنوحة، أو حجم الاختلالات المسجلة، ولا حتى آليات المراقبة أو الجزاء في حال عدم الامتثال. وفي ظل هذا الوضع، يظل مبدأ توطين المعطيات الحساسة مبدأً إعلانيًا أكثر منه ممارسة مُراقَبة وموثقة.
هذه المفارقة تكشف عن تناقض عميق في الخطاب المتعلق بالسيادة الرقمية، فمن جهة، يتم التأكيد على الرغبة في بناء ذكاء اصطناعي وطني، سيادي وأخلاقي، ومن جهة أخرى، تبقى الأسس التي يقوم عليها هذا الذكاء الاصطناعي، أي المعطيات، خارج التحكم الكامل، وغير محددة التصنيف، وضعيفة الحوكمة، علما ان الذكاء الاصطناعي ليس تكنولوجيا محايدة، بل يؤثر في القرارات العمومية، ويوجه السياسات الاجتماعية، ويعيد تشكيل العلاقة بين الإدارة والمواطن. ومن دون سيطرة فعلية على المعطيات، قد يتحول إلى عامل لإعادة إنتاج الاختلالات وتعميق فجوات الثقة بدل معالجتها.
ولا يقتصر هذا النقاش على المغرب وحده، بل يهم القارة الإفريقية ككل، التي تُعد من أغنى مناطق العالم من حيث إنتاج المعطيات الخام، لكنها من أضعفها من حيث التحكم في استغلالها الخوارزمي، وإذا كان المغرب يطمح إلى لعب دور إقليمي في مجال الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك يقتضي قطيعة واضحة مع نموذج يقوم على تصدير المعطيات واستيراد الذكاء، وهذا يستلزم تغييرًا في المنظور، تغييرا يعتبر المعطيات أصلًا استراتيجيًا في صلب السيادة الرقمية، وليس مجرد ناتج جانبي لعملية الرقمنة.
إن إطلاق « AI Made in Morocco » يشكل دون شك إشارة سياسية قوية، غير أن مصداقية هذا الطموح لن تُقاس بقوة الخطاب ولا بعدد الشراكات المعلنة، بل بقدرة الدولة على الإجابة بوضوح عن أسئلة بسيطة في ظاهرها، حاسمة في عمقها: ما هي المعطيات التي تُعتبر حساسة، أين يتم إيواؤها فعليًا، ومن يملك سلطة القرار والمراقبة بشأن استخدامها. ما لم يتم تقديم أجوبة واضحة وعلنية وقابلة للتنزيل، سيظل الذكاء الاصطناعي المستعمل أو المطوَّر في المغرب رهين تبعية بنيوية، وسيبقى شعار « صنع في المغرب » أقرب إلى أداة تواصل منه إلى مشروع حقيقي للسيادة الرقمية.
(*) أستاذ باحث في التحول الرقمي وحوكمة المعطيات
رئيس اللجنة الاستشارية لذكاء اصطناعي أخلاقي وعادل في إفريقيا
