متابعة / مراد علوي
شهدت الساحة الأكاديمية والبحثية نقاشا علميا معمقا حول مستقبل المالية العمومية في ظل التحولات الاقتصادية والرقمية المتسارعة، وذلك خلال الحلقة النقاشية الثانية التي نظمت يوم السبت 28 فبراير على الساعة العاشرة ليلا، بشراكة بين مركز ابن خلدون للدراسات والأبحاث الإدارية والمالية والشبكة الدولية للباحثين ومنتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية.
وقد انعقد هذا اللقاء العلمي تحت عنوان المالية العمومية واليقظة الاستراتيجية نحو نموذج استباقي لتدبير المخاطر، حيث عرف مشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء المتخصصين في القانون العام والاقتصاد والمالية العمومية. كما شهد متابعة رقمية لافتة، الأمر الذي يعكس تنامي الاهتمام العلمي والمؤسساتي بقضايا الحكامة المالية وأدوات اليقظة الاستراتيجية باعتبارها ركيزة أساسية في تدبير المخاطر المعاصرة.
وفي هذا السياق افتتحت أشغال الحلقة النقاشية بكلمات تأطيرية لكل من الدكتور بدر بوخلوف الرئيس المؤسس للشبكة الدولية للباحثين، والدكتور يونس مليح مدير مركز ابن خلدون للأبحاث والدراسات الإدارية والمالية، ثم الدكتور عثمان مودن منسق الحلقة النقاشية ورئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية. وقد أكد المتدخلون في كلماتهم على التحول البنيوي الذي يشهده تدبير المخاطر العمومية، إذ لم يعد التدبير التقليدي كافيا لمواجهة التحولات المتسارعة، بل أصبح من الضروري اعتماد مقاربات استباقية قائمة على التحليل الاستراتيجي واليقظة المؤسساتية، بما يعزز مناعة المالية العمومية ويرفع من جاهزيتها لمواجهة التقلبات المناخية والاقتصادية والرقمية.
ومن جهة أخرى تولى تسيير الجلسة العلمية الدكتور نصير مكاوي أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، حيث أبرز في مداخلته التأطيرية أهمية اعتماد مقاربة تكاملية متعددة الأبعاد تجمع بين التحليل القانوني والتشخيص الاقتصادي، وذلك من أجل معالجة المخاطر العمومية بطريقة أكثر نجاعة وفعالية.
أما على مستوى المداخلات العلمية فقد توزعت على ثلاثة محاور رئيسة تناولت أبعاد التحولات التي تشهدها المالية العمومية وسبل تدبير مخاطرها.
ففي المداخلة الأولى تناول الدكتور عبد الرزاق الهبري الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس موضوع اليقظة الاستراتيجية وتحولات المالية العمومية من المقاربة الدفاعية إلى النموذج الاستباقي في تدبير المخاطر. وقد استعرض في هذا الإطار التحولات البنيوية التي تعرفها المالية العمومية في سياق الأزمات المتلاحقة، مؤكدا ضرورة إرساء منظومات تحليل استشرافي مبنية على مؤشرات القياس الاقتصادي وآليات الإنذار المبكر، وذلك بهدف تعزيز القدرة على التوقع والتعامل المبكر مع الأزمات المحتملة.
وفي المقابل ركزت المداخلة الثانية التي قدمها الدكتور عمر العسري على موضوع المالية العمومية في مواجهة التحولات والمخاطر الاقتصادية والرقمية، حيث سلط الضوء على التحديات التشريعية والمؤسساتية التي يفرضها تسارع الاقتصاد الرقمي. كما شدد على أهمية تحيين المنظومة القانونية الوطنية بما ينسجم مع متطلبات الحكامة الجيدة والنجاعة التدبيرية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الاقتصادي العالمي.
أما المداخلة الثالثة فقد قدمها الدكتور نبيل بوحميدي مدير منصة MAROC DROIT، حيث تناول موضوع اليقظة المالية في مواجهة الأزمات من الاستجابة الطارئة إلى المأسسة. وفي هذا الصدد أبرز أهمية الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى بناء منظومة مؤسساتية دائمة لليقظة المالية، بما يضمن الاستمرارية والفعالية في تدبير الأزمات ويعزز قدرة المؤسسات العمومية على التكيف مع التحولات المختلفة.
وعلى ضوء هذه المداخلات والنقاشات العلمية خلص المشاركون إلى مجموعة من التوصيات الاستراتيجية التي تهدف إلى تطوير منظومة تدبير المالية العمومية. ومن أبرز هذه التوصيات إرساء نموذج وطني مؤسساتي متكامل لليقظة الاستراتيجية في مجال المالية العمومية، وتعزيز التكامل المنهجي بين المعطى القانوني والتحليل الاقتصادي في تدبير المخاطر، فضلا عن تطوير بنى رقمية متقدمة للإنذار المبكر ورصد المؤشرات المالية. كما أكد المتدخلون على ضرورة ترسيخ ثقافة التدبير الاستباقي كبديل عن المقاربات التفاعلية التي غالبا ما تظل مرتبطة بردود الفعل الآنية.
وفي ختام اللقاء شدد المشاركون على أن اليقظة الاستراتيجية لم تعد مجرد خيار تقني، بل أصبحت خيارا ضروريا لضمان استدامة المالية العمومية وتعزيز مصداقية السياسات العمومية وترسيخ الثقة المؤسساتية ، هذا و قد عبرت الفعاليات المشاركة بأن نقاش علمي مفتوح اتسم بعمق الطرح وتنوع المقاربات، وذلك في أفق مواصلة هذه السلسلة العلمية التي تروم الإسهام في تطوير التفكير العمومي وصياغة نماذج تدبيرية أكثر صلابة واستباقية لمواجهة التحولات الوطنية والدولية، مع الإعلان عن تنظيم حلقة نقاشية ثالثة قادمة ستتناول موضوعا راهنا جديدا .
