14.2 C
نيويورك
مارس 12, 2026
رأي

رياض تكتب: الدفع بعدم الدستورية: سلاح القضاء لمراقبة النصوص الجنائية

اكرام رياض (*)

في قلب النظام القضائي ، تقع على عاتق السلطة التشريعية مسؤولية سن القوانين، لكنها ملزمة بالالتزام بالإجراءات المنصوص عليها في الدستور والقوانين المكملة له فإذا لم تحترم هذه الشكليات، تصبح القوانين الصادرة عرضة للبطلان، وهو ما يضع المحكمة الدستورية في صدارة الجهات المخولة لإثارة هذا البطلان، لما لها من صلاحيات دستورية وفق الفصل 133 من الدستور، أو كما هو الحال في أنظمة قانونية مقارنة حول العالم, فالرقابة على دستورية القوانين لا تقتصر على مجرد فحص النصوص، بل تتحقق من مدى مخالفتها للدستور، تمهيدا لمنع إصدارها إذا كانت نصوصا جديدة، أو لإلغائها أو الامتناع عن تطبيقها إذا كانت قد صدرت بالفعل.
وقد دفع هذا الواقع بالمشرع الدستوري المغربي إلى تعزيز دور القضاء من خلال إشراك المواطنين أنفسهم في هذه الرقابة عبر آلية الدفع بعدم دستورية القانون، التي يمنحها الفصل 133 من الدستور لأطراف القضايا المعروضة أمام القضاء العادي.
تتيح هذه الآلية للمتقاضين الاعتراض على دستورية أي نص قانوني، وتتولى المحكمة الدستورية الفصل في مدى دستوريته، وإذا ثبتت مخالفته، يؤدي الحكم إلى نسخ القانون ابتداء من التاريخ الذي تحدده المحكمة، الهدف الأسمى من هذه الآلية هو حماية حقوق وحريات الأفراد، خاصة في مواجهة النصوص ذات الطابع الجنائي، مثل القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، إذ قد يؤدي تطبيقها على القضايا إلى المساس المباشر بحقوق الأفراد المكفولة دستوريا.
إن اعتماد الرقابة القضائية يتماشى مع تطورات النظم القانونية الحديثة التي تجمع بين الرقابة السابقة واللاحقة، في سبيل تحقيق عدالة دستورية مواطنة، وعلى غرار التجربة الفرنسية، اقتصر المشرع المغربي على منح المتقاضي وحده الحق في إثارة الدفع بعدم الدستورية، دون القاضي، كما نص عليه الفصل 133 من الدستور. ورغم وضوح النص الدستوري، فإن تطبيقه الفعلي يواجه تحديات، أبرزها تأخر إصدار القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بطرق وإجراءات الدفع بعدم الدستورية، الذي كان من المفترض أن يوضح كيفية ممارسة هذا الحق، وقد قضت المحكمة الدستورية بتاريخ 21 فبراير 2023 بأن مسطرة إصدار هذا القانون كانت معيبة وغير دستورية، مشيرة إلى أن المشروع لم يعرض بالأسبقية على مكتب مجلس النواب قبل استكمال التداول في المجلس الوزاري، ما أدى إلى عدم مطابقة القانون التنظيمي للدستور.
إن مقارنة التجارب الدولية تظهر الفارق: في فرنسا، أتاح تعديل 2008 للمتقاضين الطعن في القوانين المخالفة للحقوق والحريات؛ في الولايات المتحدة، يستطيع القضاة استبعاد أي نص يخالف الدستور مباشرة؛ أما في إسبانيا ومصر، فإن الدفع بعدم الدستورية يعد من النظام العام، ويمكن للقاضي إثارة الدفع تلقائيا. وعلى الرغم من تأخر المغرب في هذا المجال، تظل آلية الدفع بعدم الدستورية أداة حيوية لتجويد النصوص وتنقيتها من أي خلل، خصوصا القوانين الجنائية التي تمس مباشرة حياة المواطنين وحرياتهم، المبادئ الأساسية، مثل قرينة البراءة ومبدأ الشرعية الجنائية (الفصل 23 من الدستور)، تحتاج إلى حماية فعلية، وهو ما توفره هذه الآلية، حيث تجعل الرقابة لاحقة على النصوص الصادرة، كاشفة للحقوق والحريات، وليست منشئة لها.
وقد أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مذكرته المتعلقة بالقانون التنظيمي للدفع بعدم الدستورية أن هذه الآلية تحقق أهدافا جوهرية، أهمها تصفية النظام القانوني من المقتضيات غير الدستورية، وإتاحة الفرصة للمواطنين لإحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية للتحقق من مدى مطابقتها للدستور، ما يعزز الأمن القانوني والأمن القضائي, فالأمن القضائي لا يعني مجرد استقرار العلاقات القانونية، بل يشمل جودة الأداء والخدمة القضائية وقدرة القضاء على حماية الحقوق، وهو أمر بالغ الأهمية خاصة في القضايا الجنائية التي قد تمس مباشرة حقوق الأفراد.
التجربة الفرنسية توضح نجاح هذه الآلية، فقد أدرج المجلس الدستوري مبادئ حماية الحقوق ضمن تعديلات قوانين المسطرة الجنائية، مثل قانون 15 يونيو 2000، حيث ألغى النصوص المخالفة لمبادئ استقلالية القاضي والحق في محاكمة عادلة. وقد أظهرت قرارات المجلس في 2010، على سبيل المثال، أن المادة 90 من مدونة السلوك الجنائي كانت مخالفة للدستور، فتم إلغاؤها لضمان حماية الحقوق.
في المغرب، قبل دستور 2011، لم يكن للمتقاضين الحق في الدفع بعدم الدستورية، وكانت رقابة المحكمة الدستورية محصورة على ما يحال إليها من قبل الملك أو رئيس الحكومة أو رؤساء المجلسين أو أعضاء معينين من البرلمان، وهو ما يعرف بالرقابة السياسية، التي تجرى قبل إصدار القانون وتقتصر على أشخاص محددين، ما يحد من فعاليتها, الإحصاءات تؤكد ندرة القرارات: منذ إنشاء المحكمة وحتى 2014، صدر فقط 14 قرارا في مجال الرقابة على دستورية القوانين العادية، رغم وجود المئات من النصوص القانونية، خصوصا الجنائية، التي تحتاج إلى تدقيق لضمان انسجامها مع الدستور.
تعنبر القوانين الجنائية، الأكثر تأثيرا على الحقوق والحريات، تحتاج إلى حماية فعالة، إن تفعيل الدفع بعدم الدستورية يجعل القضاء الدستوري قادرا على تقييم آثار النصوص عمليا وليس نظريا، ومعالجة أي خلل أو مخالفة قد تؤثر على حقوق المتقاضين، ما يضمن جودة الأحكام ويجعل العدالة أكثر واقعية.
وبذلك، يتضح أن الدفع بعدم الدستورية ليس مجرد نص دستوري، بل أداة لتحصين الحقوق والحريات وتحسين جودة النصوص القانونية، خاصة الجنائية، وهو ما تؤكده التجارب المقارنة في فرنسا والولايات المتحدة، حيث ساهمت الرقابة القضائية في تنقية النصوص وتجديدها مع حماية المبادئ الأساسية للعدالة، المغرب أمام فرصة تاريخية لتفعيل هذه الآلية بشكل كامل، وإلا سيظل المواطن محروما من الدفاع عن حقوقه، وسط نصوص قانونية كثيرة تنتظر من يحميها من الخلل أو الانتهاك.
وفي النهاية، الدفع بعدم الدستورية ليس مجرد نص دستوري جامد، بل هو درع المواطن وسبيل العدالة الواقعية، تفعيله يمنح كل متقاض القوة لمواجهة أي قانون معيب، ويحول حقوقه وحرياته إلى حصن صلب لا يمكن تجاوزه، إنه وعد بأن يصبح القضاء قوة فاعلة، ليست مجرد أداة رسمية، بل حارسا حيا للحقوق، يعيد الثقة إلى النظام القانوني ويجعل العدالة ملموسة في حياة كل فرد.
المغرب اليوم أمام مفترق تاريخي، إما أن يفعل هذه الآلية ويحوّل المواطنين إلى حراس لدستورهم، أو يظل القانون مجرد كلمات على الورق، بينما الحقوق تنتظر من يوقظها ويصونها فالعدالة، في جوهرها، لا تقاس بالنصوص وحدها، بل بمدى قدرتها على حماية الإنسان في لحظات حياته الأكثر ضعفا وحاجة.

(*) باحثة في العلوم الجنائية بجامعة ابن طفيل

 

Related posts

محمد خليفة يكتب: إسرائيل الكبرى.. وقوقعة القوة

المستقبل

محمد خليفة يكتب: هند رجب.. أنشودة الحياة

المستقبل

حفيظ زرزان يكتب: ملكية تقود التغيير

المستقبل