1.9 C
نيويورك
مارس 18, 2026
المستقبل 24
ثقافة وفن

كتاب محقق يعيد سيرة ابن الصديق إلى الواجهة ويغني المكتبة المغربية

صدر حديثاً عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية بطنجة كتاب «نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق» في طبعة محققة أنجزها الباحث عبد الله عبد المومن، أستاذ التعليم العالي بأكادير، ليعيد إلى الواجهة واحداً من النصوص التراثية المغربية ذات القيمة العلمية والتاريخية، ويضع بين أيدي الباحثين والمهتمين بالتاريخ الثقافي المغربي عملاً يوثق لسيرة الشيخ سيدي محمد بن الصديق، أحد أبرز أعلام العلم والتربية والسلوك بالمغرب.

ويأتي هذا الإصدار الجديد في نحو 140 صفحة من القطع الكبير، جامعاً بين أهمية النص الأصلي ورصانة التحقيق الأكاديمي، في خطوة تعزز حضور الكتاب التراثي المغربي داخل المشهد الثقافي والفكري.

ولا تتجلى أهمية هذا الإصدار في كونه إعادة نشر لكتاب تراثي فحسب، بل في كونه إحياء لوثيقة علمية وتاريخية ترتبط باسمين بارزين في الذاكرة العلمية المغربية؛ أولهما الشيخ سيدي محمد بن الصديق، وثانيهما مؤلف الكتاب العلامة محمد بن العياشي سكيرج، فقيه طنجة ومؤرخها وصاحب كتاب **«رياض البهجة في تاريخ طنجة»**. ويكتسب هذا العمل قيمته من كونه من أوائل النصوص التي أفردت ترجمة مستقلة لهذا العلم، ما جعله مرجعاً أساسياً في عدد من الكتابات اللاحقة التي تناولت سيرته ومكانته العلمية والروحية.

ويبرز هذا الإصدار أيضاً من خلال المنهج الذي اعتمده المحقق، إذ لم يقتصر العمل على إخراج النص وضبطه، بل تم تقديمه ضمن دراسة وافية وترجمة مستوفية للمؤلف، إلى جانب توثيق النقول وإرفاق المتن بتعليقات علمية تخدم القارئ وتضيء السياق التاريخي والفكري للنص. وبهذا المعنى، يقدم الكتاب نموذجاً للتحقيق العلمي الرصين الذي يوازن بين الدقة والاختصار، ويمنح النص التراثي قيمة إضافية تسهل الإفادة منه في البحث الأكاديمي والدراسات التاريخية.

وتزداد أهمية هذا الكتاب بالنظر إلى زمن تأليفه، إذ فرغ مؤلفه من إنجازه في منتصف رجب سنة 1355هـ، أي بعد نحو سنة واحدة فقط من وفاة الشيخ محمد بن الصديق، وهو ما يمنحه قيمة توثيقية كبيرة باعتباره من أقرب النصوص زمناً إلى موضوعه، وأكثرها اتصالاً بشهادات المعاصرة والمعاينة المباشرة. ولذلك ينظر إلى هذا العمل بوصفه مصدراً أساسياً في توثيق سيرة ابن الصديق، كما أنه شكل مرجعاً لمن جاء بعده من المؤلفين الذين تناولوا حياته ومناقبه في مؤلفات أخرى.

ويقدم الكتاب، إلى جانب البعد الترجمي، صورة واسعة عن الحياة العلمية والروحية في طنجة وشمال المغرب خلال أواخر القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر الهجريين، حيث يكشف عن تداخل العلم بالتربية، والسلوك بالتدريس، والمشيخة بالإفادة، في مشهد يعكس طبيعة البيئة العلمية والزوايا والصلات الاجتماعية والثقافية في تلك المرحلة. ومن هذه الزاوية، لا يظهر الكتاب باعتباره ترجمة لشخصية دينية وعلمية فقط، بل أيضاً بوصفه وثيقة تاريخية تسهم في فهم جانب من تاريخ التصوف المغربي والحياة الفكرية في المغرب الحديث.

كما تتجلى قيمة الكتاب في غناه بالمرويات والوقائع والإشارات التي تتجاوز الترجمة الفردية إلى رسم شبكة واسعة من العلاقات العلمية والروحية، من خلال الحديث عن عدد من الأعلام المرتبطين بالشيخ محمد بن الصديق نسباً أو علماً أو صحبة. ويجعل هذا المعطى من الكتاب مرجعاً مهماً للباحثين في التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغرب، خاصة في ما يتعلق بطنجة وشمال البلاد، بما يتضمنه من تراجم، وشهادات، وملامح عن المجالس العلمية والزوايا والأسانيد.

ولا يخلو العمل من أبعاد فقهية وفكرية وأدبية، إذ حفظ صفحات تتناول مسائل علمية وفقهية وعقدية متعددة، إلى جانب إشارات إلى بعض القضايا التاريخية والسياسية، وهو ما يمنحه قيمة مضاعفة تتجاوز حدود الترجمة التقليدية. كما يتضمن الكتاب وصفاً دقيقاً لوفاة الشيخ محمد بن الصديق وجنازته، في صورة تعكس مكانته الكبيرة في نفوس الناس وحجم حضوره داخل الأوساط العلمية والشعبية، بما يضفي على النص بعداً إنسانياً وتوثيقياً بالغ الأهمية.

ويؤكد صدور «نبذة التحقيق من ترجمة شيخ الطريق العلامة ابن الصديق» في هذه الطبعة المحققة أن العناية بالنصوص التراثية المغربية ما تزال ضرورة ثقافية وعلمية ملحة، لما تمثله من صلة حية بين الحاضر وذاكرته الفكرية والروحية. كما يشكل هذا الإصدار إضافة نوعية إلى المكتبة المغربية، ويفتح المجال أمام القراء والباحثين لإعادة اكتشاف نص ظل مرجعاً في بابه، بما يعزز حضور التراث المغربي في النقاش الثقافي والأكاديمي المعاصر.

Related posts

هذا موعد انطلاق فعاليات الدورة 23 لمهرجان الدولي لسينما التحريك “فيكام”

المستقبل

جولة مسرحية لفرقة نادي الحسيمة للمسرح لعملها المسرحي المتميز : “واف / الفزاعة” للكاتب محمد بوزكو

المستقبل

جمال الغيواني يوقع ألبومين جديدين ويحيي سهرة غيوانية بالقنيطرة احتفالاً بعيد العرش

المستقبل