مايو 2, 2026
المستقبل 24
رأي

محمد خليفة يكتب: المادة المضادة.. ومسيرة الحياة

محمد خليفة (*)

لقد اهتز العالم بالأحداث السياسية والعسكرية الجارية التي هزت المجتمعات، لتكشف عن كوامن الشر في النفس البشرية، وشراهتها الدائمة للعنف والحروب والدماء.
وعلى الرغم من العتمة، فإن مسيرة العلم لا تتوقف، حيث أعلن العلماء، الأسبوع الماضين عن اكتشاف بروتون المادة المضادة. وهذا الاكتشاف يمثل انعطافة في المخيلة البشرية، وإعادة صياغة نظريات القوانين، العقلية والعلمية، ورؤية البشرية للكون نحو التقدم في شأن كل من المادة والضوء.
في الآونة الأخيرة، نجح مجموعة من العلماء، تابعين للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن)، ويعملون في مصنع «سيرن» للمادة المضادة، بالقرب من جنيف بسويسرا، في نقل نحو 100 بروتون مضاد بالشاحنة، في تجربة استغرقت 4 ساعات، لإثبات إمكانية نقلها بأمان. لأن المادة المضادة ضعيفة للغاية، فمثلاً إذا لامست البروتونات المضادة البروتونات العادية، فإنها تتلاشى مباشرة. وقد تم وضع البروتونات المضادة داخل صندوق مكعب الشكل تقريباً، يبلغ طول ضلعه متراً واحداً، وتحصر هذه التقنية بروتونات المادة المضادة في فراغ شديد البرودة، يصل إلى ناقص 269 درجة مئوية، ما يجعلها معلقة بواسطة مجالات كهربائية ومغناطيسية قوية، تمنعها من ملامسة جدران الحاوية المكوّنة من المادة العادية.
وقد تم اختبار قدرة على البقاء محصورة خارج بيئة المختبر المُحكمة خلال رحلة استغرقت نصف ساعة. وتُعدّ هذه التجربة خطوة أولى نحو نقل البروتونات المضادة إلى مختبرات متخصصة في أماكن أخرى في أوروبا. ويقول البروفيسور آلان بار، من جامعة أكسفورد: «في اللحظة التي تتلامس فيها بروتونات المادة المضادة مع المادة العادية، تفني بعضها بعضاً. إنها تختفي في ومضة ضوء»، وأضاف «إن التحدي الرئيسي في هذه التجربة هو منع حدوث ذلك».
ولا شك في أن نقل المادة المضادة داخل حاوية خاصة من مكان إلى مكان آخر، من دون أن تفنى، هو تطور كبير على صعيد فهم تلك المادة، وبما قد يؤدي إلى حدوث ثورة علمية تقوم على مبدأ «المادة المضادة»، ولنا أن نتخيل أن هناك شبكة اتصالات تعمل بالمادة المضادة، وهناك هواتف محمولة جديدة تستقبل إشارات تلك الشبكة، أما الهواتف الحالية فلا تعمل عليها أبداً. وربما قد تظهر أجيال جديدة من الأسلحة التي تقوم على أساس هذه المادة، والتي تقضي على الخصم من دون أن يقدر على فعل شيء. لكن ربما تمضي سنوات، أو عقود، من دون أن تحدث طفرة بخصوص أبحاث المادة المضادة.
ومن دون شك، فإن نجاح الغرب في فهم طلاسم الطبيعة، خلال القرنين الماضيين، قد مكّنه من تثوير المادة، فبدأ عصر الصناعة وظهرت الصناعات المختلفة، التي توسعت كثيراً لتشمل مختلف بلاد العالم اليوم. وقد وفّرت هذه الصناعات الوقت والجهد، وحسّنت شروط الحياة بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الدنيا. لكن من خلال تلك الصناعة الجديدة تمكن الغرب من فرض سيادته على العالم. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر بدأ العلماء في أوروبا بالبحث في الذرة لمعرفة مكوناتها، ونجح العالم الإنجليزي «جيمس جون طومسون» في التعرف إلى الإلكترون من خلال تجاربه على أشعة المهبط، أو «الكاثود»، والتي هي سيل من الأشعة غير المرئية تنبعث من مهبط أنبوبة التفريغ، باتجاه المصعد وهو «الأنود».
وقد أثبت هذا العالم أن أشعة المهبط ليست أشعة، بل سيل متصل من الجسيمات سالبة الشحنة والتي أطلق عليها اسم «الإلكترون»، ثم اكتشف العالم الإنجليزي «إرنست رذر فورد» نواة الذرة في مطلع القرن العشرين، وأطلق عليها اسم «البروتون»، وهو موجب الشحنة. ومن ثم تمكن عالم الفيزياء الإنجليزي السير جيمس تشادويك من اكتشاف «النيوترون»، وهو جسيم يكون في نواة الذرة، وهو متعادل الشحنة الموجبة والسالبة. وقد حصل تشادويك على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1935، وكان هذا الكشف هو الذي فتح الباب أمام تحطيم الذرة في معجلات الطاقة، ومن ثم تصنيع القنبلة الذرية.
غير أن امتلاك علوم الذرة قد جعل العلماء يعتقدون بوجود مادة مضادة للمادة الموجودة، لأن الكون قائم على التضاد، ولا يمكن أن تكون المادة العادية هي التي أسست الكون وحدها، بل من الضروري وجود مواد مضادة لكي تستقر الكتلات في جفورها ومداراتها، التي هي عليها اليوم في الكون. وكان الفيزيائي الإنجليزي بول ديراك قد تنبأ بوجود هذه المادة المضادة، ومن ثم تمكن الفيزيائي الأمريكي كارل ديفيد أندرسون من إثبات وجودها أثناء دراسته للأشعة الكونية، وحصل بذلك على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1936 تقديراً لهذا الاكتشاف. وتحمل جسيمات المادة المضادة شحنة جسيمات المادة العادية نفسها، ولكن بإشارة معاكسة.
ومن هنا، فإن مشاركة الدول الفاعلة في الاكتشاف بخصوص المادة المضادة، هو أمر ضروري لكي لا تطغى أمة على أمة، ولا شعب على شعب، ولكي تبقى مخرجات العلم متاحة أمام جميع الشعوب، تستفيد منها في بناء مستقبل وجودها في هذه الأرض.

(*) إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

Related posts

محمد خليفة يكتب: آفاق التوتر بين الهند وباكستان

المستقبل

ذ. عبد القاوي: مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة: شروط على المقاس تقصي الكفاءات وتنسف روح الديمقراطية

المستقبل

محمد خليفة يكتب: إسرائيل الكبرى.. وقوقعة القوة

المستقبل