مايو 6, 2026
المستقبل 24
ثقافة وفن

فيلم “Juste une illusion” يصل إلى القاعات السينمائية المغربية ويعيد إحياء ذاكرة الثمانينيات الفرنسية بين الكوميديا والدراما الاجتماعية

يقدم فيلم “Juste une illusion” عملا سينمائيا فرنسيا جديدا يجمع بين الكوميديا والدراما الاجتماعية، من توقيع الثنائي إيريك توليدانو وأوليفييه ناكاش، المعروفين بأعمالهما ذات الطابع الإنساني مثل “Intouchables” و“Le Sens de la fête”، حيث يعودان هذه المرة إلى ذاكرة الطفولة والمراهقة في ثمانينيات القرن الماضي، عبر قصة تنفتح على أسئلة الهوية والنمو والتحولات الاجتماعية داخل أسرة فرنسية من الطبقة المتوسطة.

تدور أحداث الفيلم سنة 1985 في إحدى ضواحي باريس، حيث يعيش الفتى فينسان، الذي يقترب من سن الثالثة عشرة، مرحلة انتقالية دقيقة بين الطفولة وبوادر البلوغ. يعيش داخل أسرة مضطربة نسبيا، بين أب يواجه البطالة وأم تسعى إلى تحقيق صعود مهني في ظل تحولات اجتماعية تعكس بدايات صعود النقاش حول دور المرأة، وأخ أكبر يطغى على العلاقة معه توتر يتقاطع أحيانا مع لحظات من القرب والتفاهم. في هذا السياق، يطرح الفيلم أسئلة تتعلق بالهوية، والصداقة، والدين، والعلاقات العائلية، وأول تجارب الحب، في فترة يصفها صناع العمل بأنها لحظة “التحول الكبير” في حياة الإنسان.

يعتمد الفيلم على مقاربة شخصية جدا، إذ يستلهم المخرجين تجربتهما الخاصة خلال فترة المراهقة، ويقدمان من خلالها رؤية تستعيد تفاصيل الحياة اليومية في الثمانينيات، بما تحمله من تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية، من صعود ثقافة البوب والموسيقى الجديدة إلى تأثيرات الأزمات الاقتصادية وبروز حركات اجتماعية شبابية. ويظهر ذلك من خلال حضور قوي للذاكرة البصرية والسمعية لتلك المرحلة، سواء عبر الموسيقى أو البرامج التلفزيونية أو تفاصيل الديكور.

ويشارك في بطولة الفيلم عدد من الأسماء البارزة في السينما الفرنسية، من بينهم لويس غاريل الذي يجسد دور الأب، وكاميل كوتان في دور الأم، إلى جانب بيير لوتان، وأليكسيس روزنستيل، وسيمون بوبلي، وجان لامارتين. ويبرز الأداء الجماعي كأحد عناصر القوة في العمل، خاصة في رسم دينامية الأسرة التي تتأرجح بين التوتر اليومي والحنان العاطفي، حيث تتداخل لحظات الخلاف مع لحظات التقارب بشكل يعكس واقعية العلاقات الأسرية.

ويظهر الفيلم اهتماما خاصا بتفاصيل مرحلة المراهقة، باعتبارها لحظة هشاشة نفسية وبحث عن الذات، حيث يجد البطل نفسه في حالة “لا هو طفل بالكامل ولا هو بالغ بعد”، وهي مساحة يصفها صناع العمل بأنها الأكثر حساسية في تكوين الإنسان. كما يسلط الضوء على شعور الخوف من نظرة الآخرين، والبحث عن الاعتراف الاجتماعي، والتجارب الأولى في الحب والانتماء.

من الناحية الفنية، يواصل الثنائي توليدانو وناشاك اعتماد أسلوبهما القائم على المزج بين الكوميديا والدراما، مع حضور واضح للإيقاع السريع في الحوارات، وبناء المشاهد على توازن بين الواقعية واللمسة الساخرة. ويولي الفيلم أهمية كبيرة للذاكرة الجماعية، حيث تستحضر الثمانينيات ليس فقط كخلفية زمنية، بل كعنصر أساسي في تشكيل وعي الشخصيات، من خلال الإشارات إلى الموسيقى، والبرامج التلفزيونية، والتحولات الاجتماعية الكبرى مثل ارتفاع معدلات البطالة وبروز حركات اجتماعية شبابية.

ويبرز في الفيلم أيضا حضور قوي لفكرة “العائلة” باعتبارها محورا مركزيا في السرد، حيث يتم تقديمها بوصفها مساحة صراع وتضامن في الوقت نفسه، وهو ما يعكس رؤية المخرجين للعلاقات الإنسانية القائمة على التناقض بين الاختلاف والتقارب. كما يطرح العمل سؤالا ضمنيا حول معنى الانتماء والذاكرة، من خلال استعادة الماضي بوصفه تجربة مشحونة بالعاطفة، لكنها لا تخلو من إعادة قراءة نقدية.

ويحمل عنوان الفيلم “Juste une illusion” دلالة رمزية مرتبطة بفكرة الذاكرة ذاتها، حيث يطرح تساؤلا حول مدى دقة ما نتذكره من طفولتنا، وهل هو واقع فعلي أم بناء عاطفي تشكله الخبرة اللاحقة. هذا الطرح يعزز البعد الفلسفي للعمل، الذي لا يكتفي بسرد قصة عائلية، بل يتجاوزها إلى مساءلة الزمن والهوية والتحولات النفسية.

ويتوقع أن يلقى الفيلم اهتماما واسعا ضمن سياق السينما الفرنسية المعاصرة، خصوصا مع عودة الاهتمام بالأفلام التي تستحضر الماضي الاجتماعي لفرنسا خلال الثمانينيات، وهي مرحلة تعتبر حاسمة في تشكيل الهوية الثقافية والسياسية للجيل الحالي. كما يعكس العمل استمرار حضور السينما الكوميدية الاجتماعية الفرنسية كأحد أبرز الأنماط السينمائية القادرة على الجمع بين الترفيه والطرح الإنساني العميق.

بهذا، يقدم “Juste une illusion” تجربة سينمائية تعتمد على الذاكرة الشخصية والجماعية في آن واحد، وتعيد قراءة مرحلة المراهقة باعتبارها لحظة تأسيسية في حياة الإنسان، حيث تتشكل الأسئلة الأولى حول الذات والعالم، في فضاء يتداخل فيه الحقيقي بالمتخيل، والواقعي بالرمزي.

Related posts

العرائش: اختتام الدورة ال13 لمهرجان ماطا الدولي للفروسية بمدشر زنيد وسط حضور دبلوماسي ونجاح باهر

نعيمة السريدي

مونية المنصور في ضيافة المقهى الثقافي بالرباط 

المستقبل

“الاحتفاء بالتراث، الاستثمار في المستقبل .. شعار الدورة الثانية لمناظرة الصناعات الثقافية والإبداعية بالرباط

المستقبل