بقلم : الأستاذ أشرف بومسيس(*)
أفرد المشرع المغربي في إطار القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية أحكاما خاصة بالدفع بعدم الاختصاص، بما يعكس المكانة الإجرائية التي يحتلها هذا الدفع وأثره المباشر في صحة انعقاد الخصومة المدنية أمام المحكمة، ورغم أن غالبية الفقه درجت على تصنيف الدفع بعدم الاختصاص ضمن الدفوع الشكلية، فإن هذا التكييف، في تقديرنا، لا ينسجم مع خصوصية هذا الدفع ولا مع الآثار القانونية المترتبة عنه، الأمر الذي يدفع إلى القول بأنه يتمتع بطبيعة قانونية مستقلة أو خاصة، تميزه عن باقي الدفوع الشكلية.
ويستند هذا الطرح إلى عدة اعتبارات، أولها أن المشرع ألزم بإثارة الدفع بعدم الاختصاص قبل كل دفع أو دفاع، وهو ترتيب إجرائي يختلف عن الدفوع الشكلية التي لا يلزم إثارتها إلا قبل الدخول في الجوهر، وهذا الاختلاف ليس مجرد تمييز شكلي في ترتيب الدفوع، وإنما يعكس إرادة تشريعية في منح الدفع بعدم الاختصاص أولوية مطلقة، باعتباره مرتبطا بشرط سابق على وجود الخصومة القضائية ذاتها، وهو اختصاص المحكمة المعروض عليها النزاع.
أما الاعتبار الثاني، فيتمثل في الأثر القانوني المترتب على قبول هذا الدفع، فمن غير المتصور قانونا أو منطقا أن تنظر محكمة لم ينعقد لها الاختصاص أصلا في أي دفع شكلي أو موضوعي يتعلق بالدعوى، لأن الاختصاص هو الأساس الذي تستمد منه المحكمة ولايتها في الفصل في الخصومة، فإذا انتفى هذا الأساس، انتفت معه سلطة المحكمة في التصدي لأي مسألة أخرى، سواء تعلقت بالشكل أو بالموضوع.
ويؤكد ذلك أن المحكمة، عند قبول الدفع بعدم الاختصاص، لا تقضي بعدم قبول الدعوى، وهو الجزاء المعتاد بالنسبة لعدد من الدفوع الشكلية، وإنما تقتصر على التصريح بعدم اختصاصها، مع إحالة الملف إلى المحكمة المختصة متى كان ذلك مقررا قانونا أو وفق الحالات التي يجيزها القانون، وهذا الأثر يبرز أن الدفع بعدم الاختصاص لا ينصب على صحة الإجراءات ولا على قبول الدعوى، وإنما يتعلق بسلطة المحكمة ذاتها في ممارسة ولايتها القضائية.
وعليه، فإن الدفع بعدم الاختصاص يسبق منطقيا وقانونيا البحث في جميع الدفوع الأخرى، لأن الاختصاص يمثل الشرط الأول لانعقاد الولاية القضائية.
ومن ثم، فإن إخضاعه للأحكام العامة المنظمة للدفوع الشكلية يفقده خصوصيته، ويؤدي إلى الخلط بين الدفوع التي تستهدف سلامة الإجراءات، وتلك التي تمس سلطة المحكمة في نظر النزاع.
وبناء على ما سبق، نرى أن الدفع بعدم الاختصاص لا ينبغي اعتباره مجرد دفع شكلي، وإنما دفعا إجرائيا ذا طبيعة قانونية خاصة، يستمد استقلاله من موضوعه، ومن توقيت إثارته، ومن آثاره القانونية المتميزة، الأمر الذي يبرر معاملته كنظام إجرائي مستقل داخل نظرية الدفوع، وهو ما يتلاءم مع فلسفة القانون رقم 58.25 الرامية إلى ضبط قواعد الاختصاص قبل الخوض في أي مسألة أخرى تتعلق بالخصومة.
(*) محامي متمرن بهيئة المحامين بالرباط

