يناير 21, 2026


رأيمختلفات

محمد خليفة يكتب: إسرائيل الكبرى.. وقوقعة القوة


محمد خليفة (*)

عندما يسود ظلام النفس تحت سياط الفكر العقائدي المتطرف برصيد من الكراهية والغربة النفسية الروحية التي هي الأكثر جوهرية في التاريخ الإنساني، وكظاهرة ثقافية هي الأكبر في الاجتماع البشري.


وبحسب ما ذهب إليه التنوير المادي، أما أنها فوق طاقة العقل لكونها فكرة روحانية تستعصي على الإثبات التجريبي بحسب ما ذهب إليه التنوير الروحي على مستوى الأنساق الكبرى الطبيعة والتاريخ والمجتمع والإنسان، وذلك على حساب التأويلات الدينية الميتافيزيقية لهذه الأنساق الكبرى، الكامنة في تضخيم مزاعمها في العقائد الدينية ليكون صراعاً يتخذ من التاريخ أداة الاعتداء على سيادة الدول. إن هذه النزعة «الروحانية» المفرطة في التطرف تقتل كل أمل في التعايش والأمن، أبرزها تصريحات نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل في اتجاه سالب لثوابت القيم والمعتقدات، حيث تحطم حدود سيادة الدول والفضاءات الاجتماعية. لقد ضرب في «روحانيته» نتنياهو كلاً من مفهوم الزمان والمكان على المستوى القانوني والسياسي وسيادة الدول.
هذا الانفصال عن الواقع في الوقت نفسه الرافض للعقلانية السياسية والنظرة الأحادية للحقيقة، بوضع تتهدم فيه الأخلاق والمواقف ويبدأ العالم في طرح السؤال حول الأسباب والبواعث لهذه التصريحات «الروحانية» بشكل علني عن رؤيته لما يسمى «إسرائيل الكبرى». وقال نتنياهو إنه «في مهمة تاريخية وروحية ومبعوث من الله لتحقيق نبوءة إسرائيل لإقامة إسرائيل الكبرى تمتد من فلسطين إلى الأردن ومصر وسوريا ولبنان والسعودية والعراق»، وكأن النصوص الروحانية هي أعظم الموضوعات التي أسهمت في ترسيخها وتعاقبها زماناً ومكاناً لرسم يحوي أخطاراً تهدد أمن الدول وسلمها المدني وفق هذه المحددات الخطِرة الروحانية بأحلامها الصهيونية التوسعية، إنها تجسد أسوأ مشروع سياسي وديني معاصر يراد منه تقسيم المقسم وتفجير الصراعات بلا هوادة. وتعيد تصريحات نتنياهو العجلة إلى الوراء حيث نشأة إسرائيل في المنطقة، تلك النشأة التي ارتبطت بالتهجير والتشريد والقتل، فلم تكن منذ قيامها ظاهرة صحية بل كانت كياناً غريباً أقيم على أرض فلسطين بعد تهجير معظم شعبها العربي. وهي منذ قيامها لم ترسم لها حدوداً، ولم تقدم خريطة واضحة لأرضها، لأنها في جوهرها مشروع قائم على التوسع بالقوة العسكرية. ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو شخصية معروفة بتطرفها، وهو تلميذ في مدرسة كبار المتطرفين مثل مناحيم بيغن وأرئيل شارون اللذين أسسا حزب الليكود المتطرف الذي يقوده نتنياهو اليوم، والذي يؤمن بما يسمى «إسرائيل الكبرى» ويسعى إلى تحقيق وجودها. ورغم أن الزعماء السابقين لم يصرّحوا بعقيدتهم الصهيونية الإلغائية، بل إن مناحيم بيغن أبرم اتفاقية سلام مع مصر، لكن نتنياهو جاهر بها اليوم بعد أن ظن أن المنطقة العربية من حوله باتت ممهّدة لمثل ذلك الحدث الذي يسعى إليه.
هذا الفكر الاستعلائي الإقصائي ترجمه إجرام وحشي في غزة بحق الأبرياء من الشيوخ والنساء والأطفال، إجرام لا يعبأ بالإنسان وحريته وكرامته ويستحل الدماء والجوع والقهر، ويرى العرب هو وغيره من المتطرفين الصهاينة «غوييم» لا يستحقون الحياة، ورغم ما يقال على أن أغلبية الإسرائيليين هم من ذوي التوجهات اليسارية الذين يؤمنون بحق الشعب الفلسطيني في الوجود، لكن في ظل هذه المذبحة المتواصلة في غزة منذ ما يقارب العامين، فإن سكوت أولئك الإسرائيليين وقبولهم بمسلسل القتل والتجويع المستمر، لهو دليل على أن الأغلبية في إسرائيل، متطرفون وليس العكس. وبالتالي فإن نتنياهو وأحلامه العنصرية تمثل صدى لذلك المجتمع الذي يضج بالعنصرية وكره الآخر وهو «العرب». لكن إذا كان الحال كذلك فكيف ستتعامل الدول العربية، المستهدفة وغير المستهدفة، مع هذا المشروع التوسعي الذي يقوده نتنياهو وحلفاؤه من المتطرفين، والذي يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة الدول العربية؟. يوم الثلاثاء 9 سبتمبر، اعتدت إسرائيل على سيادة دولة قطر عندما استهدفت مقارّ سكنية، في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي ومبادئ احترام سيادة الدول وحرمة أراضيها. ثم نشر أمير حنا رئيس الكنسيت الإسرائيلي مقطع فيديو مرفقاً بتهديد إلى المنطقة قائلاً «هذه رسالة لكل الشرق الأوسط».
إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، ولم يسبق لها أن طبقت قراراً دولياً بدءاً من القرار الدولي 181 لعام 1947 والذي أنهى الانتداب البريطاني وقسّم فلسطين إلى ثلاث مناطق: واحدة للعرب تبلغ مساحتها أحد عشر ألف كيلومتر مربع، وأخرى لليهود تبلغ خمسة عشر ألف كيلومتر مربع، وثالثة تحت وصاية دولية تشمل القدس وبيت لحم. وفي العام التالي انسحبت القوات البريطانية من فلسطين، فغلبت العصابات اليهودية عليها، وتم إعلان قيام إسرائيل، واعترفت القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، بهذه الدولة، وأصبحت واقعاً في الجغرافيا السياسية للمنطقة والعالم. وفي عام 1967 قامت إسرائيل باحتلال الضفة الغربية وضمها إليها، وصدر القرار الدولي رقم 242 الذي ينصّ على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها، لكن إسرائيل لم تستجب لذلك القرار، وأقامت في الضفة عشرات المستوطنات، كما قامت بضم الجولان وأقامت فيه مستوطنات، وتدخلت في ثلاث محافظات في جنوب سوريا، معتمدة على حماية ودعم الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية التي قدمت لها منذ قيامها حتى اليوم 310 مليارات دولار. وذلك وفق بيانات مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي للعام الماضي، وأصبح مفهوم «التفوّق العسكري النوعي» لإسرائيل، بمنزلة العمود الفقري للمساعدات العسكرية الأمريكية، أي أن الولايات المتحدة تقدم لإسرائيل أحدث أنواع الأسلحة ليبقى لها التفوق على العرب.

(*) إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

Related posts

محمد خليفة يكتب: أمريكا.. وسلاح العقوبات

المستقبل

مولاي الحسن الداكي الوكيل العام لمحكمة الاستئناف بالرباط يناقش الدكتوراه بكلية الحقوق في طنجة

المستقبل

آلاف الشباب ومئات الشركات يلتقون لأول مرة في معرض للتشغيل بالدار البيضاء

المستقبل