بقلم: سناء بنعجة (*)
يشهد النقاش السياسي في المغرب خلال السنوات الأخيرة عودة متجددة لموضوع تشبيب العمل الحزبي والسياسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. غير أن هذا النقاش غالبا ما يطرح في سياق ظرفي مرتبط بالحاجة إلى تحقيق نتائج انتخابية قوية، أكثر مما يطرح باعتباره خيارا استراتيجيا طويل المدى لتجديد النخب وتعزيز دينامية الحياة السياسية. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من مقاربة ظرفية لتشبيب العمل الحزبي إلى ورش سياسي دائم يواكب مختلف مراحل الفعل السياسي والتنظيمي داخل الأحزاب.
في هذا السياق، يتضح أن المعضلة الأساسية التي تواجه الأحزاب السياسية تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين منطق المنافسة الانتخابية، الذي يدفع غالبا إلى الاعتماد على الأسماء ذات الحضور الانتخابي والخبرة السياسية، وبين ضرورة فتح المجال أمام الكفاءات الشابة للولوج إلى المؤسسات المنتخبة والمشاركة في تدبير الشأن العام. وهو توازن دقيق يفرض على الفاعلين الحزبيين إعادة التفكير في آليات إعداد النخب السياسية، بما يسمح بتأهيل جيل جديد من القيادات القادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل التحولات الديمغرافية التي يعرفها المغرب، حيث تشكل فئة الشباب نسبة مهمة من البنية السكانية، ما يطرح تحديات جديدة أمام الأحزاب السياسية في ما يتعلق بقدرتها على تمثيل هذه الفئة وتأطيرها سياسيا. كما أن الإطار الدستوري الذي أقره دستور 2011 منح الأحزاب دورا محوريا في تأطير المواطنين وتعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية، بما في ذلك توسيع حضور الشباب داخل المؤسسات المنتخبة ومراكز القرار.
في المقابل، لا يمكن اختزال مسألة تشبيب النخب السياسية في مجرد تخصيص آليات تمثيلية أو لوائح انتخابية خاصة بالشباب، بل إن الرهان الحقيقي يكمن في تمكينهم فعليا من الترشح داخل اللوائح المحلية والوطنية، ومنحهم الفرصة لاكتساب الخبرة السياسية من خلال المشاركة المباشرة في تدبير الشأن العام. فالتجديد السياسي لا يتحقق فقط عبر الخطاب، بل عبر ممارسات تنظيمية تسمح باندماج تدريجي للأجيال الجديدة داخل بنية العمل الحزبي والمؤسساتي.
ومن هذا المنطلق، فإن تشبيب العمل السياسي ينبغي أن يفهم باعتباره عملية تراكمية تتطلب الاستثمار في التكوين السياسي للشباب، وتوسيع فضاءات المشاركة داخل الأحزاب، وتعزيز حضور التنظيمات الشبابية الحزبية كقنوات للتعبير عن تطلعات الأجيال الجديدة. كما أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى استعداد القيادات الحزبية لمنح الثقة للشباب وإشراكهم في صناعة القرار، بعيدا عن المقاربات التي تحصر حضورهم في أدوار رمزية أو موسمية.
في نهاية المطاف، يبدو أن مستقبل الحياة السياسية في المغرب يرتبط إلى حد كبير بقدرة الأحزاب على تحويل مطلب تشبيب النخب إلى مشروع سياسي مستدام، يتجاوز منطق الحسابات الانتخابية الضيقة نحو بناء مشهد سياسي أكثر حيوية وانفتاحا. فتمكين الشباب من أدوار قيادية داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة لا يشكل فقط استجابة للتحولات المجتمعية، بل يمثل أيضا رافعة أساسية لتجديد الثقة في العمل السياسي وتعزيز جودة الممارسة الديمقراطية.
(*) باحثة في الدراسات السياسية والمؤسساتية بكلية الحقوق أكدال – الرباط.
