أبريل 6, 2026
المستقبل 24
رأي

اوجدو يكتب: احتراف كرة القدم وعمق الانتماء للفروسية: مقاربة أنثروبولوجية في تجربة الدولي المغربي “عثمان معما”

جمال اوجدو(*)

يشكل تنظيم الإقصائيات الجهوية من المسابقة المؤدية إلى الأدوار النهائية من جائزة الحسن الثاني للفروسية التقليدية المقامة سنويًا بفضاء دار السلام بالرباط، لحظة ثقافية متميزة، على منصة حلبة تيفلت إقليم الخميسات، حيث تتقاطع فيها أبعاد التراث اللامادي مع الممارسة الرياضية، ضمن فضاء يعكس غنى وتنوع الهوية الأمازيغية المغربية.
وفي هذا السياق، يبرز حضور الدولي المغربي عثمان معما، ليس فقط كوجه رياضي بارز في كرة القدم، بل كفاعل ثقافي يستعيد ارتباطه العميق بفنون الفروسية التقليدية، من خلال دعمه لسربة والده عمر معما المشارك في المنافسات عن جهة الرباط سلا القنيطرة.

1.الثقافة والتبوريدة: منظور أنثروبولوجي: إن هذه اللحظة، بما تحمله من رمزية، تتيح مقاربة أنثروبولوجية تتجاوز البعد الظرفي للحدث، نحو فهم أعمق للثقافة باعتبارها نسقًا مركبًا من القيم والممارسات والمعارف. فوفقًا لرالف لينتون، تُفهم الثقافة بوصفها “مجموع أنماط السلوك المتعلمة ونتائجها، التي يشترك فيها أفراد مجتمع معين وتُنقل عبر الأجيال” (Linton, 1936).
ومن هذا المنطلق، فإن التبوريدة ليست مجرد عرض فلكلوري أو تنافسي، بل هي ممارسة اجتماعية متكاملة، تتضمن تعلم تقنيات الركوب، وضبط الإيقاع الجماعي، واستيعاب رمزية “الطلقة” الموحدة، وكلها عناصر تُكتسب عبر التنشئة الثقافية.
2.تعددية ثقافية واستمرارية التعلم: حضور عثمان معما في حلبة تيفلت يعكس استمرارية هذا التعلم، حيث استعاد ذاكرته كفارس في سن مبكرة ولا يزال شغوفًا بحبها ومدعّمًا للأجيال القادمة في الحفاظ على التراث، رغم توجهه نحو الاحتراف في كرة القدم.
هذا التداخل بين المجالين لا يعكس ازدواجية متناقضة، بل يبرز تعددية ثقافية داخلية، تمكن الفرد من التنقل بين أنساق مختلفة دون فقدان الانتماء.
3.الجسد والهبيتوس: منظور مارسيل موس وبيير بورديو
وهنا تتجلى أهمية مفهوم “التقنيات الجسدية” لدى مارسيل موس، الذي يرى أن الجسد هو حامل للثقافة، وأن الحركات التي يؤديها الإنسان هي نتاج تعلم اجتماعي (Mauss, 1934).
فالفارس في التبوريدة لا يتحرك بشكل عفوي، بل يمارس طقوسًا دقيقة تعكس انسجامًا جماعيًا بين الركاب والمقدم، حيث يصبح تناسق الفرسان ومزامنة الطلقة الموحدة مثالًا حيًا على تجسيد الهبيتوس، وفق مفهوم بيير بورديو الذي يوضح أن الهبيتوس هو “مجموعة من الممارسات المستمرة والمهيكلة داخليًا، التي تشكل نمطًا للوعي والسلوك يتجذر في الفرد ويحدد علاقته بالعالم” (Bourdieu, 1977).

4.تفاعل الجمهور وأخلاقيات المشاهدة: في سياق موازٍ، أثار حضور عثمان معما تفاعلًا جماهيريًا لافتًا داخل فضاء المنافسات، حيث توافد الجمهور لالتقاط الصور والتقرب من لاعب اكتسب مكانة رمزية في الوجدان الرياضي الوطني.
غير أن هذا التفاعل لم يكن مجرد اندفاع عاطفي عابر، بل اتسم بدرجة من التنظيم الضمني والاحترام المتبادل، حيث أبان اللاعب عن تقبل كبير للجمهور، في مقابل وعي جماهيري حافظ على مسافة من التقدير دون إزعاج أو فوضى.
ويمكن قراءة هذا السلوك في ضوء سيكولوجيا الجماهير عند غوستاف لوبون (Le Bon, 1895)، لكن مع خصوصية محلية مغربية، حيث لا يذوب الفرد كليًا في “العقل الجمعي”، بل يحتفظ بضوابط ثقافية تؤطر سلوكه داخل الجماعة.
هذا النمط من التفاعل يعكس ما يمكن تسميته بـ**“أخلاقيات الجمهور”** كجزء من الثقافة المغربية، حيث تتأسس العلاقة بين النجم والجمهور على قيم الاحترام، والاعتراف الرمزي، والتوازن بين القرب والمسافة.
5.التبوريدة كتراث شفوي – منظور كاميل لكوست:  وتبرز التبوريدة هنا كثقافة شفوية متوارثة، حيث تعكس المهارات والحركات والطقوس الجماعية تجربة معرفية متكاملة تنتقل عبر الأجيال.
ومع بدء مرحلة التدوين الثقافي، يمكن الحفاظ على هذا التراث الشفهي وتحويله إلى مادة علمية تُدرس وتُحلل، كما أظهرت دراسة الأنثروبولوجية كاميل لكوست (Canell & Cost, 2005)، مما يضمن استمراريته ونقله للأجيال القادمة.
وهكذا، تصبح التبوريدة ليس فقط ممارسة جسدية، بل فضاءً ثقافيًا غنيًا يجمع بين الإبداع الفني والتقنية الاجتماعية والمعرفة الرمزية.
6.تحليل الأداء والوعي المزدوج.

أبان عثمان معما عن وعي تقني وثقافي عميق، من خلال ملاحظاته الدقيقة لأداء السربة، حيث أشار إلى أهمية الانسجام والتواصل بين الركاب والمقدم، واعتبر أن غياب هذه العناصر كان سببًا في ضياع النقاط.
هذا التحليل لا ينفصل عن تكوينه الرياضي الاحترافي، لكنه في الآن ذاته يعكس إدراكًا عميقًا لمنطق التبوريدة كفعل جماعي منظم، يقوم على التكامل لا الفردانية.
ومن خلال استحضار مبدأ “النسبية الثقافية” عند فرانز بواس (Boas, 1940)، يمكن فهم التبوريدة داخل سياقها الخاص، باعتبارها ممارسة متجذرة في الثقافة الأمازيغية المغربية، لا تُقاس بمعايير الرياضات الحديثة، بل وفق منطقها الداخلي وقيمها الرمزية.
إن تجربة عثمان معما تكشف عن وعي مزدوج، يجمع بين احترافية كرة القدم، بما تتطلبه من تنافسية عالية وانضباط صارم، وبين عمق الانتماء للفروسية كتراث لامادي.
غير أن “ثقافة الفوز” التي يحملها لا تُختزل في تحقيق النتيجة، بل تمتد لتشمل المعرفة، وإتقان الطقوس، وتحمل المسؤولية داخل الجماعة، والقدرة على قراءة الأداء الجماعي في أبعاده التقنية والرمزية.
وتجسد التبوريدة، كما احتضنتها حلبة تيفلت، فضاءً لتكثيف الهوية المغربية في بعدها الأمازيغي، حيث تتداخل المهارة الجسدية مع الذاكرة الثقافية، ويصبح الجسد حاملًا للمعنى، والممارسة وسيلة لنقل القيم عبر الأجيال.
إن ما يميز هذه التجربة هو الامتداد العائلي والثقافي، حيث يلتقي إرث الأب في الفروسية مع مسار الابن في كرة القدم، في شكل يعكس استمرارية الثقافة لا انقطاعها. وهكذا، يتحول حضور عثمان معما من مجرد دعم عائلي إلى فعل ثقافي دال، يعيد ربط الحاضر بالماضي ويؤكد أن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل ممارسة حية تتجدد
عبر التجارب الفردية والجماعية.

(*) صحفي رياضي

باحث في الدراسات الامازيغية – جامعة سيدي محمد بن عبدالله فاس سايس
……………………..
قائمة المراجع
Linton, R. The Study of Man. New York : Appleton-Century, 1936.
Mauss, M. Les techniques du corps. Journal de Psychologie, 1934.
Boas, F. Race, Language and Culture. New York : Macmillan, 1940.
Le Bon, G. Psychologie des foules. Paris : Félix Alcan, 1895.
Bourdieu, P. La distinction : Critique sociale du jugement. Paris : Les Éditions de Minuit, 1979.
Canell, C., & Cost, J. Oral Tradition and Cultural Transmission. New York : Routledge, 2005.

Related posts

الأستاذ عبد اللطيف أيت بوجبير يكتب: موسم عزل المنتخبين المخالفين للقوانين (الجزء 2)

المستقبل

ذ. عبد القاوي يكتب: “المحاماة لا تنحني: “منطق الحق” عند الزياني يربك “منطق السلطة” عند وهبي”

المستقبل

سامي يكتب: “المغرب يصنع المستقبل: منصة إقليمية لصناعة القطارات وربط التنمية بالريادة الإفريقية”

المستقبل