15.2 C
نيويورك
أبريل 27, 2026
المستقبل 24
ثقافة وفن

“أجي تفهم” تعود بالحلقة الثانية: قراءة جديدة لتاريخ المغرب والجزائر وإعادة تشكل المغرب الكبير بين 1830 و1847

في سياق إقليمي يتسم بحساسية عالية وتوتر مستمر في العلاقات بين المغرب والجزائر، تبرز مبادرات معرفية جديدة تسعى إلى إعادة فتح ملف التاريخ المشترك بين البلدين من زاوية علمية تعتمد على الوثيقة والمصدر بدل السرديات المتناقضة. وفي هذا الإطار، أطلقت سلسلة وثائقية متحركة بعنوان “أجي تفهم” حلقتها الثانية التي تحمل عنوان “إعادة تشكل المغرب الكبير بين 1830 و1847”، والمتاحة بشكل مجاني على منصة يوتيوب، في محاولة لتقديم قراءة تاريخية مبسطة ودقيقة تستند إلى البحث الأكاديمي وتخاطب جمهوراً واسعاً.
وفي بلاغ لها توصل موقع المستقبل24 بنسخة منه، أوضح القائمون على المشروع أن هذه السلسلة لم تنطلق كرد فعل ظرفي أو إنتاج مرتبط بالانتشار الرقمي فقط، بل جاءت استجابة لحاجة معرفية يعتبرها المؤرخ محمد نبيل ملين ملحة، تتعلق بغياب سردية تاريخية متوازنة وموثقة حول تاريخ المنطقة، وبالأخص حول العلاقة بين المغرب والجزائر خلال فترات مفصلية من تاريخ المغرب الكبير. ويقوم هذا العمل على استثمار أرشيف واسع من المصادر الأولية، من بينها مخطوطات وخرائط دبلوماسية ومراسلات وعملات ووثائق وتمثلات فنية، تم إخضاعها لقراءة نقدية مقارنة تهدف إلى إعادة بناء فهم تاريخي أكثر دقة وموضوعية.
ويقوم مشروع “أجي تفهم” على مزاوجة بين البحث التاريخي والإبداع الفني، حيث يشرف المؤرخ محمد نبيل ملين على الجانب العلمي من خلال تحليل المصادر وتحديد الإطار التاريخي وصياغة المادة المعرفية، بينما يتولى المخرج مصطفى الفكاك، المعروف بلقب “سوينغا”، تحويل هذه المادة إلى عمل بصري يعتمد على الرسوم المتحركة وسرد مبسط بالدارجة المغربية، مع توفير ترجمات بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية من أجل توسيع دائرة الوصول إلى جمهور دولي. ويعتبر هذا التفاعل بين الدقة العلمية والاشتغال الفني أحد أبرز عناصر تميز المشروع في مجال الإنتاج الوثائقي الرقمي.
ويتكون هذا العمل من سلسلة من ثماني حلقات، تم تخصيص نصفها الأول لتناول موضوع الصحراء الشرقية، فيما تركز الحلقات المتبقية على قضايا الصحراء الغربية، في مقاربة تاريخية تعتبر من أكثر الملفات حساسية في تاريخ المنطقة. وقد تم تمويل المشروع عبر مساهمات جماعية لعدد من الداعمين عبر منصة تمويل تشاركي، بلغ عددهم 1200 مساهم، بإجمالي تمويل قدره 430 ألف درهم. كما حققت الحلقة الأولى، التي صدرت سنة 2022، أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة على منصة يوتيوب، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الجماهيري المتزايد بهذا النوع من المحتوى التاريخي المبسط.
وفي تصريح له ضمن البلاغ، قال المؤرخ محمد نبيل ملين إن تجربة البحث في الأرشيف كانت دائماً مرتبطة بإشكال محدودية وصول المعرفة التاريخية إلى الجمهور العام، مضيفاً أن “أجي تفهم” ساهمت في نقل النقاش من الفضاء الأكاديمي الضيق إلى فضاء أوسع يشمل الطلبة والتلاميذ والمهتمين بالتاريخ، مع الحفاظ على الصرامة العلمية في تقديم المعلومة. وأكد أن الهدف الأساسي ليس تبسيط التاريخ بشكل يفرغه من محتواه، بل جعله أكثر قابلية للفهم دون المساس بدقته.
وتتناول الحلقة الثانية الممتدة بين 1830 و1847 مرحلة تعتبر من المنعطفات الحاسمة في تاريخ المغرب الكبير، حيث تزامنت مع انهيار تدريجي للتوازنات الإقليمية بعد تراجع النفوذ العثماني وبروز التوسع الاستعماري الفرنسي من الجزائر. وتعرض الحلقة السياق السياسي والعسكري الذي وجد فيه المغرب نفسه أمام تحولات معقدة، خاصة في عهد السلطان العلوي عبد الرحمن بن هشام، الذي تعامل مع دعم المقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر بن محيي الدين في ظل معادلات سياسية دقيقة بين الاعتبارات الدينية والاستراتيجية ومخاطر المواجهة المباشرة مع فرنسا.
كما تسلط الحلقة الضوء على التطورات العسكرية التي شهدتها المنطقة مع تعيين الجنرال توما بوجو على رأس القيادة الفرنسية سنة 1840، وما تبع ذلك من تصاعد التدخل العسكري الفرنسي داخل التراب المغربي سنة 1844، وهو ما شكل نقطة تحول في ميزان القوى الإقليمي، وأعاد طرح سؤال الحدود بشكل مباشر، في سياق لا تزال تداعياته حاضرة إلى اليوم في النقاشات السياسية والتاريخية حول ترسيم الحدود بين البلدين.
وتتوقف الحلقة أيضاً عند حضور شخصيات غير تقليدية في هذا السياق التاريخي، من بينها الفنان الفرنسي أوجين دولاكروا، الذي رافق بعثة دبلوماسية فرنسية إلى المغرب سنة 1832، حيث شكلت أعماله الفنية لاحقاً مرجعاً بصرياً مهماً لفهم بعض مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية آنذاك، بما في ذلك تمثلات البلاط المخزني.
من جهته، اعتبر المخرج مصطفى الفكاك أن نجاح التجربة، سواء على مستوى التمويل الجماعي أو نسب المشاهدة، يعكس وجود طلب حقيقي لدى الجمهور على محتوى تاريخي مبني على المعرفة الدقيقة وليس على التبسيط المخل، مشيراً إلى أن أكثر من ثلاثة ملايين مشاهدة للحلقة الأولى تعكس هذا الاهتمام المتزايد بتاريخ المغرب الكبير بصيغة جديدة تجمع بين العلم والفن.
ويأتي هذا المشروع بالتوازي مع استعداد المؤرخ محمد نبيل ملين لإصدار كتابه الجديد “حدود المغرب الشرقية: من أقدم العصور إلى 1830”، الذي يقدم قراءة تاريخية معمقة لجذور الإشكالات الحدودية في المنطقة، اعتماداً على الأرشيف التاريخي والمصادر الموثقة، في مقاربة تروم تعزيز الفهم العلمي بدل السجال، وترسيخ اعتماد الوثيقة التاريخية كمرجعية أساسية في دراسة تاريخ المغرب الكبير.
وتجدر الإشارة إلى أن سلسلة “أجي تفهم” تُبث بشكل مجاني عبر منصة يوتيوب، مع إمكانية متابعتها بلغات متعددة، في إطار رؤية تسعى إلى جعل المعرفة التاريخية أكثر انفتاحاً ووضوحاً، وإعادة طرح أسئلة الماضي المشترك بين المغرب والجزائر من زاوية علمية هادئة بعيدة عن التوظيف الإيديولوجي.

Related posts

من القنيطرة إلى أزيلال.. شبكة المقاهي الثقافية تفتتح موسم 2025/2026 بأنشطة أدبية وفنية مميزة

المستقبل

المستقبل

في أمسية تتخللها عروض فنية وكوميدية وموسيقية وغيرها.. تكريم الدكتور مولاي سعيد عفيف رئيس الجمعية المغربية للعلوم الطبية

المستقبل