يونيو 13, 2026
المستقبل 24
رأي

محمد خليفة يكتب: استراتيجية الدفاع الأمريكي لعام 2026

محمد خليفة (*)

في شهر فبراير 2026 أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما سمي «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2026»، وتحدد هذه الاستراتيجية أربع قضايا رئيسية يتعين على وزارة الحرب الأمريكية معالجتها وهي: الدفاع عن الوطن الأمريكي، وردع الصين، وزيادة تقاسم الأعباء مع الحلفاء والشركاء، وتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.

وتصنف الاستراتيجية إسرائيل ك»حليف أمريكي نموذجي»، يجب تقديم الدعم المعنوي والمادي اللازم لها لتحقيق أهدافها العسكرية دون قيود أو تدخل، وتُحدد الاستراتيجية التهديدات التي تُشكلها الصين. وتُشير، على وجه الخصوص، إلى أن منطقة المحيطين الهندي والهادئ ستُمثل قريباً نصف الاقتصاد العالمي، مُوضحةً أن هيمنة الصين على هذه المنطقة قد تُشكل «حق نقض» أمام وصول الولايات المتحدة إلى «مركز الثقل الاقتصادي العالمي». ولمواجهة هذا التهديد، تشدد الاستراتيجية على ضرورة تعزيز «الردع بالمنع». ويتطلب ذلك أن تمتلك الدول الحليفة، اليابان والفلبين وتايوان، الإرادة والموارد العسكرية الكافية لمقاومة أي توغل صيني مُحتمل»، هذه الاستراتيجية تصنف أربع دول كأعداء استراتيجيين للولايات المتحدة وهي «روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية»، وقد لا يكون للدولتين الأخيرتين تأثير استراتيجي كبير في العالم، لكن روسيا والصين هما قوتان عظميان، وهما جزء من مجلس الأمن الدولي الذي تناط به حماية الأمن والسلم في العالم، ووضع هاتين الدولتين في مسار واحد مع كوريا الشمالية وإيران، يدل على أن الولايات المتحدة تنظر إلى هذه الدول مجتمعة نظرة واحدة، ولكن وبشكل أساسي، الصين التي باتت على وشك امتلاك ناصية القوة الاقتصادية، وبالتالي فإن استمرار تقدمها من دون وجود عوائق سيؤدي خلال سنوات قليلة إلى تحوّلها إلى قوة عالمية عظمى أولى، ولاسيما أنها لا تعاني الديون التي تكبّل الولايات المتحدة والتي بلغت 39 تريليوناً في وقتنا الراهن.
وتُعد الولايات المتحدة دولةً رائدةً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لأنها هي التي شكَّلت هذه المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد حطّمت اليابان واحتلتها ووضعت يدها على مستعمراتها في شبه جزيرة كوريا، وفرموزا «تايوان»، وقد نجح الاتحاد السوفييتي السابق في انتزاع حصة صغيرة من شبه الجزيرة الكورية، وأقام فيها دولة شيوعية موالية له، وهي كوريا الشمالية. وقد ربطت الولايات المتحدة كلّاً من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، بمنظومتها السياسية والاقتصادية، وصعّدت اليابان إلى مستوى قوة عظمى صناعية في العالم، أما كوريا وتايوان فاكتفت بضخ استثمارات صناعية فيهما وجعلتهما قوتين صناعيتين وفق رغبتها لمنطقة الشرق الأقصى والعالم.
وأقامت الولايات المتحدة ما سمي «منتدى الأمن الطاقي والتجاري لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ» IPEM، برعاية مشتركة من وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية ومجلس الهيمنة الوطنية للطاقة في الولايات المتحدة، وقد استغلت الإدارة الأولى للرئيس دونالد ترامب، هذا المنتدى لتعزيز التواصل مع دول المحيط الهندي.
وأعلنت الولايات المتحدة عن تقديم ما يقرب من 300 مليون دولار أمريكي للدول الواقعة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، منها 39 مليون دولار لبنغلاديش، و40 مليون دولار لسريلانكا، و17 مليون دولار لنيبال، وفي نفس الوقت فعّلت الإدارة الأولى للرئيس ترامب «تحالف كواد» الذي يضم أربع دول هي «أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة»، وتأسس هذا التحالف عام 2007، وقد عارضت الحكومة الصينية إنشاءه، واعتبرت أنه يمثل تحدياً لمصالحها الإقليمية، ولم تكن الولايات المتحدة تريد آنذاك، فتح حرب مع الصين، ولذلك أوقفت نشاطه، حتى تم تفعيله من جديد عام 2017، ومنذ ذلك الحين ظل في حالة نشاط، وهدفه المعلن هو «دعم منطقة المحيطين الهندي والهادئ مفتوحة وحرة وشاملة»، وانعقد اجتماع لوزراء خارجية تحالف «كواد» الشهر الماضي، في نيودلهي، وقال وزير الخارجية الأمريكي ​ماركو روبيو: إن ​دول المجموعة «اتفقت ​على إطلاق مبادرة بشأن أمن الطاقة في منطقة ​المحيطين الهندي والهادئ، بهدف مواجهة اضطرابات الإمدادات من خلال احتياطيات الوقود الاستراتيجية، ومبادرات سياسية محددة الأهداف، لكن هل ستنجح الاستراتيجية الأمريكية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في تكبيل الصين وإفشال نهضتها؟.
في الواقع إن الصين لديها أوراق قوة متعددة أهمها أنها دولة كبرى بالمساحة التي تبلغ نحو عشرة ملايين كيلومتر مربع، وعدد السكان الذي يبلغ ملياراً ونصف مليار إنسان، كما أنها متحالفة مع روسيا التي تستطيع أن تأخذ منها كل ما تحتاج إليه من نفط وغاز، وبالتالي فهي قادرة على الاستمرار في تقدمها وازدهارها، ولا شك أن التحالف القائم حالياً بين هاتين الدولتين يمثل عقدة لا يمكن للولايات المتحدة حلّها إلا من خلال إعلان حرب عسكرية شاملة عليهما، وهذا أمر غير مستبعد، فالحرب الروسية القائمة حالياً في أوروبا، قد تكون نهايتها في الشرق الأقصى، وقد يتبدل المشهد العالمي بشكل شامل ونهائي، فنحن اليوم نعيش في قلب الصراع الدولي الكبير.

(*)إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

Related posts

محمد خليفة يكتب: بريطانيا.. والحرب العالمية الثالثة

المستقبل

بوعلي يكتب: كرة الهوية وهوية الكرة

المستقبل

محمد خليفة يكتب: سكان العالم وثنائية الحياة والموت

المستقبل