أكادير: إبراهيم فاضل
في سياق الجهود الرامية إلى تعزيز التكوين الفني وتوسيع آفاق الممارسة المسرحية، تطلق جمعية كونستامز للأبحاث المسرحية مشروعها الثقافي والتكويني “مختبرات الإبداع” بإقليم تيزنيت، في مبادرة تروم إرساء فضاءات للتأهيل والتجريب وتطوير المهارات المسرحية، من خلال برنامج متكامل يجمع بين التكوين الفني والتأطير المهني وتقوية القدرات في مجال تدبير المشاريع الثقافية.
ويأتي هذا المشروع بدعم من وزارة الشباب والثقافة والرياضة، قطاع الثقافة، وبشراكة مع الجماعة الحضرية لتيزنيت، والجمعية المهنية للتجار والحرفيين والمهنيين والأعوان بأنزي، وجمعية الأجيال للأعمال الاجتماعية والثقافية والمحافظة على البيئة بتيغمي، في صيغة تعكس أهمية التعاون بين المؤسسات والجمعيات المدنية في دعم المبادرات الثقافية وتقريب فرص التكوين من مختلف الفاعلين المحليين.
ولا تقتصر أهمية مختبرات الإبداع، على بعدها التكويني، بل تمتد إلى اعتماد تصور مجالي يوزع أنشطته بين تيزنيت وأنزي وتيغمي، بما يفتح المجال أمام الشباب والمهتمين بالمسرح في هذه المناطق للاستفادة من فرص التأهيل الفني، ويعزز مبدأ توسيع العرض الثقافي خارج المراكز الحضرية، بما يتيح للطاقات المحلية إمكانية تطوير مؤهلاتها والانخراط في دينامية الإبداع المسرحي.
ويرتكز البرنامج على أربعة مختبرات تخصصية ومتكاملة، تهم إعداد الممثل، والكتابة الدرامية، والإخراج المسرحي، وهندسة المشاريع الثقافية. وهي محاور تعكس رؤية شمولية للممارسة المسرحية، باعتبارها مسارا إبداعيا متكاملا لا ينحصر في الأداء فوق الخشبة، وإنما يشمل بناء النص، وصياغة الرؤية الإخراجية، وتطوير أدوات التعبير والتشخيص، فضلا عن امتلاك مهارات التخطيط والتدبير الثقافي.
ويتولى تأطير هذه المختبرات نخبة من الأسماء المتخصصة، حيث يشرف عبد الله بوكرن على مختبر إعداد الممثل، وسفيان نعوم على مختبر الكتابة الدرامية، ونور الدين التوامي على مختبر الإخراج المسرحي، فيما يتولى يوسف بوميا تأطير مختبر هندسة المشاريع الثقافية، بما يتيح للمشاركين الاستفادة من تجارب وخبرات مهنية متنوعة، تجمع بين الجانب الإبداعي والتصور العملي لمختلف مكونات العمل المسرحي.
ويحظى مختبر هندسة المشاريع الثقافية بمكانة خاصة ضمن هذا البرنامج، بالنظر إلى الدور الذي باتت تضطلع به مهارات التدبير والتخطيط في استمرارية المبادرات الفنية والثقافية. إذ يتيح هذا المحور للمشاركين التعرف على آليات بلورة المشاريع، وإعداد تصوراتها التقنية والمالية، واستكشاف سبل التمويل، إلى جانب أدوات التتبع والتقييم، بما يساعد على الانتقال من الفكرة الإبداعية إلى مشروع ثقافي قابل للتنفيذ والاستمرارية.
كما تبرز في هذه التجربة أهمية الشراكة المؤسساتية والمدنية، من خلال انخراط جماعة تيزنيت والجمعيتين المتعاونتين بأنزي وتيغمي، في نموذج من التعاون المحلي الذي يراهن على تعبئة الإمكانات المتاحة وتوحيد الجهود لخدمة الفعل الثقافي، وتعزيز حضور المبادرات الفنية داخل النسيج الاجتماعي والترابي للإقليم.
ومن هذا المنطلق، يقدم مشروع “مختبرات الإبداع” تصورا يتجاوز التكوين الظرفي، نحو بناء تجربة تستثمر في الإنسان والممارسة الفنية، وتجمع بين صقل المواهب، وتطوير الكفاءات المسرحية، وتعزيز ثقافة المبادرة والتدبير، مع إيلاء أهمية خاصة للبعد المجالي والتعاون بين مختلف الفاعلين.
إن الرهان الأساسي لهذا المشروع يتمثل في جعل التكوين الفني رافعة لتجديد الممارسة المسرحية بإقليم تيزنيت، وفتح آفاق أوسع أمام الطاقات الشابة للمشاركة في الإنتاج والإبداع الثقافي، بما يعزز موقع المسرح باعتباره مجالاً للتعبير الفني والتفاعل الاجتماعي والتنمية الثقافية المحلية.

