3.1 C
نيويورك
مارس 15, 2026
المستقبل 24
رأي

بومسيس يكتب: التقاضي بسوء نية في ضوء مستجدات القانون الجديد رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية 

الأستاذ بومسيس أشرف (*)

يعتبر الحق في الولوج إلى العدالة حقا دستوريا أقره دستور 2011 في الفصل 118  “حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون”، وهو الحق الذي يتضمن في طياته حمولة حقوقية تنظر إلى المواطنين على قدم المساواة من أجل ضمان ممتلكاتهم وحقوقهم باعتبارهم ينتمون إلى دولة يحكمها القانون بمنطق ثنائية الحق و الواجب، وهو ما يجعل الولوج إلى العدالة أمرا مضمونا كلما توفرت الشروط الضرورية للتمتع بهذا الحق.

ويستقي الحق في الولوج إلى العدالة أسسه من منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها على المستوى الدولي، حيث أن التقاضي يعد حقا من حقوق الإنسان كما تنص على ذلك المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادتيه 8 (لكل شخص الحق في اللجوء الى المحاكم…) و7 (الناس جميعا سواء أمام القانون، وهم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون دونما تمييز)، وهو في الوقت نفسه الضامن الأساسي لحماية حقوق الإنسان الأخرى من الانتهاك، غير أن هذا الحق، رغم طابعه الدستوري كما هو ظاهر من خلال أحكام الفصل المذكور أعلاه ليس حقا مطلقا، بل يتعين ممارسته في إطار من حسن النية واحترام الغاية التي شرع من أجلها، وذلك تفاديا لتحوله إلى وسيلة للإضرار بالغير أو لعرقلة حسن سير العدالة.

وفي هذا الإطار، تدخل المشرع المغربي من خلال مقتضيات المادة 5 من قانون المسطرة المدنية الحالي ليقرر قاعدة مفادها أن المتقاضي ملزم بممارسة حقوقه وفق قواعد حسن النية، مع ترتيب إمكانية التعويض في حالة التعسف في استعمال حق التقاضي، غير أن هذه الصياغة اتسمت بطابع عام ومجمل، إذ لم تحدد بدقة نطاق هذا التعسف ولا الكيفية الإجرائية لتفعيل الجزاء المترتب عنه، الأمر الذي جعل القضاء يلعب دورا محوريا في ضبط حدود التقاضي الكيدي من خلال الاجتهاد القضائي.

ويبدو أن هذا القصور التشريعي كان حاضرا لدى المشرع عند إعداد مشروع قانون المسطرة المدنية، حيث جاء بنص جديد هو مقتضيات المادة 10 من القانون رقم 58.25 الذي سيدخل حيز النفاذ بعد 06 أشهر من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية والتي أعادت التأكيد على مبدأ حسن النية في التقاضي، لكنها أضافت عنصرا جديدا يتمثل في ضرورة ممارسة هذا الحق بما لا يعرقل حسن سير العدالة، وتعكس هذه الإضافة توجهًا تشريعيًا يروم توسيع نطاق الرقابة على سلوك المتقاضين، بحيث لم يعد المعيار مقتصرًا على حسن النية فقط، بل أصبح يشمل أيضًا مدى تأثير التصرفات الإجرائية للأطراف على فعالية المرفق القضائي وسرعة البت في القضايا.

كما أن من أبرز مستجدات هذه المادة تنظيمها لمسألة المطالبة بالتعويض عن التقاضي بسوء نية، إذ نصت صراحة على إمكانية تقديم طلب التعويض خلال المرحلة التي توجد عليها الدعوى، أو من خلال دعوى مستقلة، ويشكل هذا المقتضى تطورًا تشريعيًا مهمًا، لأنه يضفي وضوحًا إجرائيًا على كيفية تفعيل المسؤولية الناشئة عن التقاضي الكيدي، ويمنح الطرف المتضرر وسيلة قانونية أكثر فعالية للحصول على التعويض.

ومن زاوية المقارنة، يلاحظ أن هذا التوجه التشريعي ينسجم إلى حد كبير مع ما استقر عليه التشريع الفرنسي، حيث يكرس قانون المسطرة المدنية الفرنسي مبدأ المسؤولية عن التعسف في استعمال حق التقاضي، فقد نصت المادة 32-1 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي على أنه يمكن الحكم بغرامة مدنية ضد كل من يباشر دعوى بطريقة تعسفية أو كيدية، دون الإخلال بالتعويضات التي يمكن أن يطالب بها الطرف المتضرر. ويعكس هذا المقتضى رغبة المشرع الفرنسي في وضع آليات ردعية للحد من إساءة استعمال الحق في التقاضي، وذلك حماية لفعالية العدالة وضمانًا لحسن سير المرفق القضائي.

ومن خلال هذه المقارنة يتبين أن المشرع المغربي يسير في اتجاه تكريس نفس الفلسفة التشريعية التي تقوم على الموازنة بين ضمان حق التقاضي من جهة، ومنع التعسف في استعماله من جهة أخرى، فالتقاضي يشكل حقًا أصيلًا للأفراد، غير أن ممارسته ينبغي ألا تتحول إلى وسيلة للإضرار بالغير أو لتعطيل العدالة.

وختامًا، يمكن القول إن المادة 10 من القانون المسطرة المدنية رقم 58.25 تمثل تطورًا نوعيًا مقارنة بمقتضيات المادة 5 من القانون الحالي، ليس فقط من حيث صياغتها الأكثر دقة، ولكن أيضًا من حيث الفلسفة التي تقوم عليها، والتي تتجه نحو تكريس نوع من المسؤولية الإجرائية للمتقاضي وتعزيز متطلبات النجاعة القضائية. غير أن نجاح هذا التوجه سيظل رهينًا بمدى قدرة القضاء على تفعيل هذه المقتضيات بشكل متوازن يضمن محاربة التقاضي الكيدي دون المساس بالحق الدستوري للأفراد في الولوج إلى العدالة.

(*) أستاذ باحث

 

Related posts

محمد خليفة يكتب: جائزة نوبل.. وعصر القوة

المستقبل

محمد خليفة يكتب: إسرائيل الكبرى.. وقوقعة القوة

المستقبل

محمد خليفة يكتب: الصراع على العناصر النادرة

المستقبل