دقت النقابة المغربية للمهن الصحية والمنتجات الصحية ناقوس الخطر بشأن مسار تنزيل المجموعات الصحية الترابية، معتبرة أن الإصلاح الذي دخل مرحلة التنفيذ يواجه مجموعة من الاختلالات والارتباكات التي قد تؤثر على أهدافه المرتبطة بتقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتحقيق العدالة الصحية بين مختلف جهات المملكة.
وفي بلاغ لها توصل موقع المستقبل24 بنسخة منه، أعربت النقابة عن قلقها من طريقة تنزيل المجموعات الصحية الترابية المحدثة بموجب القانون 08.22، وذلك في سياق تنزيل الحكومة الجديدة وتقديم رئيسة الحكومة لبرنامجها الحكومي أمام البرلمان. وأكدت أنها تثمن مبدأ الجهوية الصحية وتقريب القرار من المواطن، لكنها ترى أن ما يجري على أرض الواقع يكشف عن اختلالات عميقة تهدد، بحسب تقديرها، بإفراغ هذا الورش من مضمونه.
وأوضحت النقابة أن المجموعات الصحية الترابية تشتغل في غياب معايير علمية ومرجعية مستقلة لتقييم الحصيلة والجودة وحسن التدبير، مشيرة إلى تأخر تفعيل الهيئة العليا للصحة. وذكرت أن القانون 07.22 المحدث للهيئة صدر منذ نونبر 2023، بينما لم يتم تعيين أعضاء مجلس الهيئة إلا في يوليوز 2026، في وقت انطلقت فيه المجموعات الصحية الترابية منذ صيف 2025.
واعتبرت الهيئة النقابية أن هذا التأخر جعل المجموعات تشتغل، حسب تعبيرها، دون معايير علمية موحدة ومؤشرات مرجعية وطنية لقياس الجودة والنجاعة وحسن التدبير، ودون تقييم مستقل لأدائها.
واستحضرت النقابة تجربة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة باعتبارها النموذج التجريبي الاول، مشيرة إلى أن حصيلتها قدمت في يونيو 2026 أمام مجلس إدارة المجموعة الذي يرأسه وزير الصحة، وتضمنت ارتفاعا في عدد الاستشارات الطبية والاستشفاء والعمليات الجراحية والتحاليل المخبرية.
غير أن النقابة سجلت أن هذه المعطيات أعدتها المجموعة نفسها ولم تخضع، وفق البلاغ، لتحقق من جهة مستقلة، كما أنها تقيس حجم النشاط أكثر مما تقيس جودة العلاج، معتبرة أن الأرقام المعلنة لا تقدم معطيات حول آجال الانتظار، ومدة البقاء في أقسام المستعجلات، ونسب المضاعفات والتعفنات، ورضا المرضى والأطر الصحية، أو التوزيع العادل للخدمات بين أقاليم الجهة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن غياب معايير موحدة تضعها الهيئة العليا للصحة يجعل من الصعب إجراء مقارنات موضوعية بين مختلف الجهات، كما قد يؤدي إلى تقييم كل مجموعة وفق مقاييس خاصة بها. وحذرت النقابة من تقديم تجربة طنجة-تطوان-الحسيمة كنموذج قابل للتعميم قبل إخضاعها لتقييم علمي مستقل.
وفي جانب آخر، انتقدت النقابة ما وصفته بتمركز السلط التدبيرية والمالية وتدبير الموارد البشرية في يد المدير العام للمجموعة الصحية الترابية، مقابل محدودية آليات التوازن والمشاركة بالنسبة للمهنيين. كما أثارت وضعية مديري المجالات الإقليمية، الذين كانوا يشغلون سابقا مهام المندوبين الإقليميين، معتبرة أن صلاحياتهم لم تحدد بعد بشكل واضح في ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية والاعتمادات المالية والتنسيق مع عمال الأقاليم.
وترى النقابة أن الوضع الحالي لا ينسجم مع روح التنظيم الترابي للمملكة القائم على الجهوية المتقدمة، ولا مع مقتضيات الفصلين الاول و145 من الدستور، كما اعتبرت أنه يحد من فعالية التدبير الإقليمي ويضعف التنسيق المحلي في معالجة الإشكالات الصحية.
كما سجلت النقابة أن نقل القرار من المستوى المركزي إلى مقر جهوي واحد، مع تجريد المستوى الإقليمي من جزء من صلاحياته، لا يمثل في نظرها لامركزية فعلية، وإنما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المركزية على المستوى الجهوي، بما ينعكس على سرعة اتخاذ القرار وقربه من المستشفيات والمراكز الصحية في مختلف الأقاليم.
وفي السياق نفسه، تحدث البلاغ عن استمرار مزاولة عدد من المسؤولين داخل المجموعات الصحية الترابية لمهامهم بالنيابة بموجب تفويض من المدير العام، دون تعيين رسمي ودون صرف تعويضات عن المسؤولية، مشيرا إلى أن هذه الوضعية تشمل المسؤولين بالمجالات الإقليمية والمستشفيات والمراكز الصحية، وصولا إلى مستويات أخرى من المسؤولية.
واعتبرت النقابة أن هذه الوضعية تساهم في إضعاف قرارات المسؤولين وتحد من قدرتهم على الحسم في القضايا التدبيرية اليومية، داعية الوزارة الوصية إلى تتبع ومواكبة عملية تعيين المسؤولين، واحترام المساطر القانونية المعمول بها في التعيين في مناصب المسؤولية، واعتماد الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص بدل التفويض المؤقت.
كما أثارت النقابة وضعية الموارد البشرية الصحية، معتبرة أن آلاف المهنيين وجدوا أنفسهم في وضعية من عدم اليقين بشأن مسارهم المهني وحقوقهم المكتسبة بعد انتقالهم إلى المؤسسات التابعة للمجموعات الصحية الترابية، مع تسجيل حالات، بحسب البلاغ، لم يتوصل فيها بعض المهنيين بأجورهم الشهرية.
وطالبت النقابة بالتطبيق الفعلي لمقتضيات القانون 09.22 المتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة للموارد البشرية بالوظيفة الصحية، وتنفيذ ما تم الاتفاق بشأنه في اتفاق 23 يوليوز 2024، خاصة ما يتعلق بمنظومة الأجر الثابت والأجر المتغير المرتبط بالأداء، والتعويض عن العمل بالمناطق النائية والصعبة، والتعويض عن المسؤولية والمهام الإضافية، إلى جانب باقي التحفيزات المادية والمهنية المتفق عليها.
كما أعلنت النقابة رفضها لنمط التوظيف بالعقدة الذي اعتمدته بعض الوكالات كمؤسسات عمومية للصحة، معتبرة أن هذا الخيار يؤثر على الاستقرار الوظيفي للأطر الصحية، ويمكن أن يؤدي إلى التمييز بين مهنيين يؤدون المهام نفسها داخل المرفق العمومي ذاته.
وفي ما يتعلق بالوضعية المادية للعاملين في القطاع الصحي العمومي، نبهت النقابة إلى استمرار تراجع القدرة الشرائية في ظل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات، بالتزامن مع ظروف عمل صعبة وضغط متزايد داخل المستشفيات، خصوصا في أقسام المستعجلات والأقاليم البعيدة.
وترى النقابة أن هذه الظروف تساهم في تفاقم هجرة الكفاءات الصحية نحو القطاع الخاص وخارج المغرب، في وقت تحتاج فيه المنظومة الصحية الوطنية إلى مواردها البشرية لإنجاح الإصلاح. وشددت على أن أي إصلاح، مهما كانت أهدافه، يصعب أن يحقق النتائج المنتظرة في ظل إنهاك مهني ومادي للعاملين في القطاع.
ومن جهة أخرى، حذرت النقابة من استمرار ما وصفته بإصلاح بسرعتين، مشيرة إلى أن ست جهات لا تزال خارج تنزيل نظام المجموعات الصحية الترابية، من بينها جهات تعاني، وفق تقديرها، من هشاشة في العرض الصحي. ودعت إلى اتخاذ التدابير اللازمة حتى لا يؤدي اختلاف وتيرة الإصلاح إلى توسيع الفوارق المجالية، مطالبة بوضع خريطة صحية وطنية تتلاءم مع حجم الخصاص في كل جهة.
وأثار البلاغ كذلك مسألة علاقة المجموعات الصحية الترابية بالقطاع الخاص، حيث اعتبرت النقابة أن الاقتصار على تدبير العرض الصحي العمومي لا يواكب الثقل المتزايد للقطاع الخاص في تقديم الخدمات العلاجية، خاصة مع استفادته من جزء كبير من موارد التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
وترى النقابة أن غياب آلية جهوية واضحة للتنسيق والرقابة بين القطاعين العام والخاص يطرح إشكالا في ما يتعلق بتوحيد معايير الجودة والسلامة وشروط التكفل، مؤكدة أن الخريطة الصحية الجهوية لا يمكن أن تقتصر على جانب واحد من المنظومة الصحية، وأن المواطن ينبغي أن يستفيد من نفس معايير الجودة والسلامة سواء تلقى العلاج في مؤسسة عمومية أو مصحة خاصة.
كما سجلت النقابة وجود اختلالات في التدبير المالي والإداري اليومي، معتبرة أن جزءا من التعثرات التي تعرفها الوزارة والمديريات لا يرتبط فقط بمستوى الاعتمادات، وإنما أيضا بضعف الحكامة وتعثر المساطر الإدارية.
وأوضحت أن التأخر في إصدار النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة للتدبير المالي للمجموعات، أو في تحديد مساطر تعيين الآمرين بالصرف ومساعديهم، يؤدي إلى تعطيل تفعيل أبواب الميزانية وتأخير عمليات الالتزام بالنفقات والأداء، وهو ما ينعكس على اقتناء الأدوية والمستلزمات الطبية وصيانة التجهيزات وأداء مستحقات الممونين.
وأضافت النقابة أن الوضع يتفاقم بسبب النقص في الأطر الإدارية والمالية داخل الأقسام المالية للمجموعات الصحية، والتي أصبحت مطالبة بتدبير ميزانيات جهوية كبيرة بموارد بشرية محدودة، معتبرة أن بعض هذه الموارد لا تتوفر على التأهيل الكافي لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.
وفي هذا الإطار، دعت النقابة إلى اعتماد معايير شفافة ومعلنة لتوزيع الاعتمادات المالية بين الأقاليم والمصالح والمراكز الاستشفائية الجامعية، بما يضمن العدالة في توزيع الموارد، إلى جانب الرفع من اعتمادات المؤسسات الصحية، وتجميع الأنظمة المعلوماتية داخل المجموعة الصحية الواحدة، وضمان شفافية مساطر الشراء والصيانة.
وبناء على هذه الملاحظات، طالبت النقابة المغربية للمهن الصحية والمنتجات الصحية بالتفعيل الفوري للهيئة العليا للصحة وإصدار معايير علمية ومؤشرات مرجعية وطنية موحدة لتقييم الجودة والنجاعة وحسن التدبير، على أن تطبق على القطاعين العام والخاص.
كما دعت إلى إخضاع تجربة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة وحصيلة باقي المجموعات الصحية الترابية لتقييم علمي مستقل ونشر نتائجه للعموم قبل مواصلة تعميم التجربة، إلى جانب إصدار نص تنظيمي يحدد صلاحيات مديري المجالات الإقليمية في تدبير الموارد البشرية والمالية والتنسيق مع عمال الأقاليم.
وطالبت الهيئة النقابية أيضا بتسوية وضعية المسؤولين الذين يزاولون مهامهم بالنيابة، من خلال تعيينات رسمية وفق مساطر شفافة وصرف التعويضات المستحقة عن المسؤولية، مع مراجعة الحكامة الداخلية للمجموعات بما يضمن توازن السلط والتمثيلية الفعلية لمختلف فئات المهنيين في مجالس الإدارة.
وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، جددت النقابة مطالبتها بالتطبيق الشامل للقانون 09.22 وتنفيذ بنود اتفاق 23 يوليوز 2024، والتخلي عن التوظيف بالعقدة في الوكالات كمؤسسات صحية واعتماد التوظيف القار، إلى جانب الإسراع بإصدار النصوص التنظيمية المتعلقة بالوضعية القانونية للأطر الصحية والحركة الانتقالية.
كما دعت الحكومة إلى تحسين الوضعية المادية وظروف العمل للعاملين في القطاع الصحي العمومي، ووضع سياسة تحفيزية للحد من هجرة الأطر الصحية، فضلا عن إرساء آلية جهوية للتنسيق والتتبع تشمل مؤسسات القطاع الخاص وإخضاعها لنفس المرجعية الوطنية للجودة والاعتماد.
وفي الجانب المالي، طالبت النقابة وزارة الاقتصاد والمالية بتسريع إصدار النصوص المؤطرة للتدبير المالي للمجموعات الصحية وتبسيط مسطرة تعيين الآمرين بالصرف ومساعديهم، وتعزيز الموارد البشرية داخل المؤسسات الاستشفائية والمراكز الصحية والأقسام الإدارية والمالية.
كما شددت على ضرورة اعتماد ونشر معايير موضوعية وشفافة لتوزيع الغلاف المالي للمجموعة بين الأقاليم والمصالح والمراكز الاستشفائية الجامعية، واعتماد نظام معلوماتي صحي جهوي موحد وفق معايير وطنية.
وأكدت النقابة المغربية للمهن الصحية والمنتجات الصحية، في ختام بلاغها، أن نجاح المجموعات الصحية الترابية لن يقاس بعدد المجالس المنصبة أو بالأرقام المعلنة، وإنما بما ينعكس فعليا على حياة المرضى من حيث الولوج إلى الخدمات الصحية وجودتها وسلامتها والإنصاف في الاستفادة منها.
كما أعلنت انخراطها في إنجاح ورش إصلاح المنظومة الصحية، مع التأكيد على رفضها أن يتحول هذا الإصلاح إلى مسار مؤجل أو أن تبقى حقوق العاملين في القطاع الصحي معلقة، داعية إلى معالجة الاختلالات المطروحة وضمان حكامة فعالة ومتوازنة للمجموعات الصحية الترابية.

