احتضنت قاعة السينما Pathé بالدار البيضاء، بعد زوال الثلاثاء 3 نونبر الجاري، العرض ما قبل الأول للفيلم «Autisto»، للمخرج الفرنسي المغربي جيروم كوهين أوليفار، قبل انطلاق عرضه في القاعات السينمائية للعموم ابتداء من الأربعاء 4 نونبر 2026، في عمل سينمائي يسلط الضوء على عالم التوحد والتحديات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأسر التي تعيش هذه التجربة.
ويقدم الفيلم معالجة سينمائية لقضية التوحد، مستندا إلى تجربة شخصية عاشها المخرج بصفته أبا لابن يعاني من التوحد الشديد، وهي التجربة التي شكلت المنطلق الأساسي لإنجاز هذا العمل، الذي يسعى إلى الاقتراب من العالم الداخلي للأشخاص المصابين بالتوحد، وإبراز الجوانب الإنسانية والعاطفية المرتبطة بحياتهم اليومية، بعيدا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
وتدور أحداث الفيلم حول مليكة، وهي أم تعيش تحت وطأة القلق المستمر بشأن مستقبل ابنها آدم، الطفل الذي يعيش في عالم يغلب عليه الصمت، وتطغى فيه الأحاسيس على الكلمات. وبين مسؤوليات الرعاية اليومية والخوف من اليوم الذي قد تعجز فيه عن الاعتناء به، تواجه الأم صراعا نفسيا متواصلا، خصوصا مع طرح إمكانية إيداع ابنها في مركز متخصص.
وتتغير مجريات القصة مع ظهور محمود، وهو حارس مقبرة يعيش حياة غير مألوفة، يتحدث إلى الموتى خلال الليل ويرقص في وضح النهار. وتنشأ بينه وبين آدم علاقة استثنائية تتجاوز الكلمات والإشارات، حيث يجد الطفل في هذا الرجل مساحة للتواصل والحرية، في ارتباط يثير في المقابل مخاوف والدته من فقدان مكانتها المحورية في حياة ابنها.
ومن خلال هذه العلاقة الإنسانية غير المتوقعة، يطرح «Autisto» أسئلة مرتبطة بالأمومة والتوحد والاندماج الاجتماعي، كما يسلط الضوء على المعاناة اليومية للأسر، وعلى أهمية فهم الاختلاف في طرق التواصل والتعبير لدى الأشخاص المصابين بالتوحد، في محاولة لاستكشاف الروابط الإنسانية التي يمكن أن تنشأ خارج حدود اللغة والكلام.
ويؤكد جيروم كوهين أوليفار، في رؤيته الإخراجية، أن الفيلم ولد من تجربة شخصية مرتبطة بمواجهة التوحد داخل الأسرة، وهي تجربة وصفها بأنها معركة صامتة وطويلة، تتداخل فيها لحظات التعب والإخفاق مع مشاعر الحب والأمل. كما سعى إلى تقديم هذه التجربة بصدق سينمائي، مع إبراز الجوانب الإنسانية والشاعرية التي قد تختبئ خلف الصعوبات اليومية.
ويشارك في بطولة الفيلم كل من لبنى أبيضار في دور مليكة، ويوسف بوڭرة في دور آدم، وإسماعيل قناطر في دور محمود، إلى جانب عدد من الممثلين، من بينهم فينسنت إلباز وفيليب كافريفيير وعبد الرحمن أوكور وفرانسوا بيرليان وفيكتوريا أبريل وأرييل ويزمان وهيبة بناني وأيوب أبو النصر.
ويتولى جيروم كوهين أوليفار الإخراج وكتابة السيناريو، فيما تتولى زهور فاسي الفهري الإنتاج من خلال شركة Z Films، التي انخرطت في هذا المشروع انطلاقا من اهتمام منتجته بالقضية الإنسانية التي يتناولها، وبالتحديات التي تواجه الأسر التي لديها أطفال مصابون بالتوحد.
وسبق لفيلم «Autisto» أن شارك في عدد من التظاهرات السينمائية الدولية، من بينها مهرجان الفيلم الفرنكوفوني بأنغوليم في غشت 2025، والمهرجان الوطني للفيلم بطنجة في أكتوبر من السنة نفسها، ومهرجان مراكش الدولي للفيلم ضمن فقرة بانوراما، كما اختير للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان لوليا الدولي للفيلم بالسويد في غشت 2026.
كما حصل العمل على جائزة أفضل فيلم طويل في مهرجان أمستردام للسينما الجديدة في نونبر 2024، وجائزة الأداء الاستثنائي في مهرجان فورت لودرديل الدولي للفيلم سنة 2026.
ومن خلال قصته وشخصياته، يقدم «Autisto» مقاربة سينمائية إنسانية لموضوع التوحد، ويفتح المجال أمام نقاش أوسع حول واقع الأطفال المصابين به وأسرهم، والتحديات المرتبطة بالرعاية والتواصل والاستقلالية، مسلطا الضوء على أهمية الحب والتفهم والاعتراف بحق كل شخص في التعبير عن ذاته بطريقته الخاصة.

