26.4 C
نيويورك
يونيو 3, 2026
المستقبل 24

المغرب يعزز موقعه البحري المتوسطي بإطلاق “GNV Aurora”.. استثمارات بـ14 مليار درهم ورهان على الربط بين أوروبا وإفريقيا

كرس المغرب، أول أمس الاثنين فاتح يونيو 2026 بطنجة، موقعه كأحد أبرز الفاعلين البحريين في حوض البحر الأبيض المتوسط، مع الإعلان الرسمي عن دخول السفينة الجديدة “GNV Aurora” الخدمة ضمن شبكة الربط البحري بين المغرب وأوروبا، في خطوة تعكس تنامي ثقة المستثمرين الدوليين في المملكة وتؤكد الدور المتصاعد الذي باتت تلعبه الموانئ المغربية في التجارة الدولية وحركة المسافرين.

وجاء الإعلان خلال ندوة صحافية نظمتها شركة Grandi Navi Veloci (GNV) التابعة لمجموعة MSC العالمية، قبل أن يحتضن ميناء طنجة المدينة مساء اليوم نفسه حفل التسمية الرسمي للسفينة الجديدة بحضور مسؤولين حكوميين مغاربة وإيطاليين، إلى جانب قيادات المجموعة وفاعلين في قطاعات النقل البحري والسياحة والاستثمار.

ويمثل المشروع جزءا من برنامج استثماري ضخم بقيمة 1.3 مليار يورو، أي ما يقارب 14 مليار درهم، يهدف إلى تحديث أسطول الشركة في أفق سنة 2030، فيما تبلغ قيمة الاستثمار المباشر في السفينتين الجديدتين “GNV Aurora” و”GNV Virgo” نحو 360 مليون يورو، أي ما يقارب أربعة مليارات درهم.

المغرب في قلب الاستراتيجية المتوسطية لـGNV

وخلال الندوة الصحافية، أكد ماتيو كاتاني، المدير العام لـGNV، أن تخصيص أحدث سفن المجموعة للخطوط المغربية يعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل الاستراتيجية المتوسطية للشركة.

وأوضح أن المملكة أصبحت من أكثر الأسواق دينامية داخل شبكة GNV، مشيرا إلى أن الشركة نقلت أكثر من 465 ألف مسافر على خطوطها المغربية خلال سنة 2025، بينما استفاد نحو ستة ملايين مسافر من خدماتها منذ انطلاق نشاطها بالمغرب قبل حوالي عقدين.

وقال كاتاني إن المجموعة تنظر إلى المغرب كشريك استراتيجي طويل الأمد، مضيفا أن وتيرة التطور التي تشهدها المملكة على مستوى البنية التحتية والاقتصاد تجعلها إحدى أكثر الوجهات جذبا للاستثمارات البحرية في المنطقة.

وأكد أن “GNV Aurora” تمثل جيلا جديدا من السفن التي تجمع بين الاستدامة البيئية والكفاءة التشغيلية وجودة تجربة السفر، مضيفا أن السفينة ستساهم في إطلاق أول ممر بحري مستدام بين أوروبا والمغرب.

طنجة.. مركز بحري يربط ثلاث قارات

من جهته، اعتبر باسكوال سالزانو، سفير إيطاليا بالمغرب، أن اختيار طنجة لاحتضان حفل تدشين السفينة الجديدة لم يكن صدفة. وأوضح أن المدينة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم المحاور البحرية التي تربط أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، بفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي واستثماراتها الضخمة في البنية التحتية المينائية.

وأضاف أن الخطوط البحرية الجديدة لا تختصر المسافات بين الموانئ والأسواق فقط، بل تساهم أيضا في تعزيز التقارب الإنساني والثقافي بين الشعوب، مشيرا إلى أن العلاقات المغربية الإيطالية تعرف دينامية متزايدة في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة.

أكثر من مليون سائح إيطالي نحو المغرب

وفي الجانب السياحي، أكدت فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، أن السوق الإيطالية أصبحت خامس أكبر سوق سياحية بالنسبة للمغرب. وأوضحت أن المملكة استقبلت خلال سنة 2025 أكثر من مليون سائح إيطالي، مشيرة إلى أن نحو 15 في المائة منهم يصلون إلى المغرب عبر النقل البحري.

وقالت الوزيرة إن إطلاق “GNV Aurora” من شأنه أن يعزز الربط البحري بين المغرب وإيطاليا ويقوي جاذبية الوجهات السياحية المغربية، خاصة في شمال المملكة. وأضافت أن الرهان لا يقتصر على رفع أعداد الزوار فقط، بل يرتبط بخلق قيمة اقتصادية حقيقية للمجتمعات المحلية وللفاعلين السياحيين، معتبرة أن الاستثمارات الجديدة تعكس الثقة الدولية في الرؤية التنموية التي يقودها المغرب.

قباج: أربعة مليارات درهم رسالة ثقة في مستقبل المغرب

من جانبه، اعتبر محمد قباج، المدير العام لـMSC المغرب والشريك التاريخي للمجموعة بالمملكة، أن تخصيص أحدث سفن الأسطول للخطوط المغربية ليس قرارا تجاريا عاديا، بل يعكس مستوى الثقة الذي أصبح يحظى به المغرب لدى المستثمرين الدوليين.

وقال إن استثمارا بقيمة أربعة مليارات درهم في سفينتين جديدتين لا يمكن أن يتم دون وجود رؤية واضحة للمستقبل وضمانات قوية للاستقرار والنمو. وأوضح أن العلاقة بين المجموعة والمغرب تمتد لأكثر من ثلاثين سنة من التعاون المستمر مع مختلف المؤسسات المغربية، مؤكدا أن نجاح عمليات النقل البحري، وخاصة عملية “مرحبا”، هو ثمرة تنسيق دائم بين وزارة النقل والبحرية التجارية والسلطات الأمنية والجهات المتدخلة كافة.

وأضاف أن المجموعة تنظر إلى أفق 2030 باعتباره محطة استراتيجية، في ظل استعداد المغرب لاستضافة كأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهو ما يفرض تعزيز القدرات اللوجستية والبحرية للمملكة.

سفن صديقة للبيئة واستعدادات لمرحبا 2026

وتعمل السفينتان الجديدتان بالغاز الطبيعي المسال، الذي يشكل أحد أهم الحلول الانتقالية المعتمدة عالميا لتقليص الانبعاثات الكربونية في قطاع النقل البحري. وتستطيع “GNV Aurora” نقل أكثر من 1700 مسافر عبر 426 مقصورة، إضافة إلى 2780 مترا خطيا من البضائع، فيما تصل سرعتها القصوى إلى 25 عقدة بحرية.

وأكد كاتاني أن السفينة قادرة على خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى 50 في المائة مقارنة بالأجيال السابقة من العبارات، كما تستجيب لأحدث المعايير البيئية الدولية المعتمدة من المنظمة البحرية الدولية.

وتندرج هذه الاستثمارات ضمن التحضيرات الخاصة بعملية “مرحبا 2026″، التي تعد من أكبر عمليات النقل الموسمية في العالم، حيث يعبر ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بين أوروبا والمغرب خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى شتنبر.

قيوح: المغرب أمة بحرية صاعدة

بدوره، أكد عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك، أن تدشين “GNV Aurora” يشكل بداية مرحلة جديدة في تطوير النقل البحري بين المغرب وأوروبا. وأوضح أن السفينة الجديدة، إلى جانب “GNV Virgo”، ستعزز الخطوط الرابطة بين طنجة المتوسط وبرشلونة وجنوة وسيت وتشيفيتافيكيا، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين، خاصة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.

وأضاف أن المغرب ينفذ حاليا رؤية بحرية وطنية جديدة تستهدف تطوير الأسطول التجاري الوطني وتعزيز التنافسية اللوجستية وتسريع التحول البيئي للقطاع. وشدد على أن المملكة تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لترسيخ مكانتها كقوة بحرية إقليمية، بفضل سواحلها الممتدة لأكثر من 3500 كيلومتر وموقعها الاستراتيجي وبنيتها المينائية الحديثة.

تجربة سفر بطابع مغربي

من جانبها، أوضحت كارول مونتارسولو، المديرة العامة لـGNV المغرب، أن الشركة عملت على تكييف خدماتها مع خصوصيات الزبون المغربي، سواء من خلال تطوير فضاءات مخصصة للعائلات أو إدماج عناصر من الثقافة المغربية داخل السفن. وأشارت إلى أن المسافرين سيجدون منتجات من الصناعة التقليدية المغربية داخل المتاجر الموجودة على متن السفينة، إضافة إلى عروض موسعة للمأكولات المحلية وخدمات ترفيهية موجهة للأطفال والعائلات.

وأكدت أن الشركة سجلت ارتفاعا ملحوظا في الحجوزات المبكرة استعدادا لصيف 2026، ما يعكس استمرار نمو الطلب على الخطوط البحرية الرابطة بين المغرب وأوروبا.

نحو 2030.. البحر رافعة جديدة للتنمية

لا يمثل إطلاق “GNV Aurora” مجرد إضافة تقنية إلى أسطول النقل البحري، بل يعكس توجهاً استراتيجياً أوسع يجعل من المغرب منصة بحرية متقدمة تربط أوروبا بإفريقيا.

ومع اقتراب استحقاقات كبرى مثل كأس العالم 2030، واستمرار النمو السياحي والتجاري الذي تشهده المملكة، تبدو الاستثمارات البحرية الجديدة جزءاً من رؤية متكاملة لتعزيز الربط الدولي ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني وترسيخ مكانة المغرب كقوة بحرية صاعدة في حوض المتوسط.