23.7 C
نيويورك
يونيو 6, 2026
المستقبل 24

محمد خليفة يكتب: مسارات الحداثة وصدام القيم

محمد خليفة (*)

إن حركة الروح تستثير جميع الكائنات المفكرة والمؤمنة بالعقل والتنوير والحدس المتنامي بالذات، من خلال النظريات والقوانين العلمية والفلسفية والإنسانية والتي تشترك فيها كافة شعوب العالم، كالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وقد خرجت أصوات عاقلة، استقرأت تاريخ البشرية الماضي فأدركت سنن الحياة، لذا فهي تنادي بالاستعداد للمواجهة الحضارية المقبلة في السياسة الكونية المعاصرة، وإعادة النظر في أفكار مسبقة تطغى على التفكير والعمل.
ولعل الانتقال الأهم والأكثر مفصلية في تاريخ الفكر الإنساني هو الانتقال من إخفاقات الوعي، ومن حقبة التقليد إلى حقبة الحداثة، فهذا الانتقال المفصلي لم يكن من مجرد عبور مرحلة تاريخية إلى أخرى، لا بالنظر إلى قواعد آليات العمل وتقاليد الممارسة، ما يعني قطيعة مع الماضي البشري المتخلف في أعمق خصائصه وجوهره ومنطلقاته، الذي يتداخل فيه قلق الهوية وعدوات الزمن، وتجاوز الروح التقليدية على شتى الصعد السياسية والثقافية، وليس فقط بارتياد آفاق جديدة أو باقتحام مناطق مجهولة، وإنما تمارس بانفتاح الفكر على اللايقين خاصة في قضايا الإنسان المصيرية، والتي تتعلق بكُنه الإنسان، كقضايا العقل والوجود والميتافيزيقا بمقدار ما اخترقت، هذه القضايا المصيرية، كل العلوم من الاقتصاد إلى التكنولوجيا إلى السياسة، من متطلبات التطور والخروج من عباءة التخلف التي غلّفت البشرية على امتداد القرون السابقة.
ومن ثمَّ يجب إعادة النظر في ماهيّة الإنسان ووجوده، انطلاقاً من تصوراته المتداعية بين التطرف والتنوير، والتي تقوم على انتفاء التناقض بين العقل والإيمان الروحي مع النزعة الفردية.
إن أغلب ما تكلست عليه الذاكرة الجماعية، خلال أزمنة متعاقبة، تولّد ونما وتكاثر نتيجة حالة من تصور الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الشك، والإيمان بأنها قائمة على معانٍ صحيحة راسخة، وحقائق خالدة لا تقبل أن يمسها التغير أو التبدل، حتى ترسخت في أذهان الناس مع طول الزمن، حتى مع التطور التقني غير المسبوق لم يستطع أن يؤثر تأثيراً ملحوظاً على بنية المجتمع الفكرية، وعلى الحياة الاجتماعية للأفراد، وأيضاً مع التطور الاقتصادي المذهل الذي شهدته البشرية، صار كل ذلك والعدم سواء، نتيجة هذه النزعة المفرطة في الإيمان المتطرف كمكون جوهري في اتجاه سالب لثوابت الحداثة.
لكي يكون للعرب مستقبل واعد لابد من إعادة النظر في علاقتهم بتاريخهم وتراثهم، والتعامل مع الحداثة ليكون لهم دور في حركة العلم والتقدم، والمشاركة في إنتاج الحداثة، والانطلاق في ذلك من رؤية ليبرالية تقدمية لا تتصادم مع الماضي، بل تعيد قراءته وفقاً لمقتضيات الحاضر، متسلحة برؤية فلسفية عابرة للزمان والمكان، أتاحت لغيرنا أن يرى ما لا نرى، ومكّنته من أن يسبقنا بآلاف الخطوات في طريق النهضة، الذي قطعناه من قبل، بل ومهدنا لهم الطريق، لكننا تراجعنا، بينما هم أسرعوا الخُطا، وتخلصوا مما يكبلهم.
إن مستقبل التغير، إن أردنا عبور أزمتنا الراهنة، رهن بالتصدي لكل تلك الإشكاليات الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجية، ولكن الحذر من تقليد الحداثة الغربية في كل ما تفرزه من انحرافات وانتكاسات وانزلاقات عن السوية الإنسانية، ما قد يؤدي إلى التحول الحضاري، وهو في حقيقته سير نحو النهاية الوجودية، وهذا التبدل إلى الصدام الذي يورث فناء الآخر في صورة التحلل والزوال الذاتي بين المجتمعات، وقطعه لكل رابط يربط الإنسان بالكون الكبير، وطمس دور الإنسان الفرد في الوجود، وجعل الإنسان فاقداً لكل حول وطول، ولجج من تشاؤمية دون الاعتبار لفاعلية الإنسان وإيمانه أن الماضي هو الذي يضيء المستقبل، وأن المستقبل هو فاعلية الإنسان الواعية، لأن الهدف النهائي للارتقاء البشري هو هدف أخلاقي وإنساني. ولهذا فإن نجاحات الإنسان متفاوتة بتفاوت الجهد الذي يدفعه لرؤية إنتاجه بالغاية الإنسانية، لجهده في الأعمال الصالحة لوطنه. وفي هذا السياق، تتفق الشرائع أن أعمال المؤمن وأفعال حياته يجب أن تكون مرتبطة بإيمانه الواعي وبالأخلاق الكلية.

(*) إعلامي وكاتب إماراتي