مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، وجهت جمعية “مئة بالمئة أمهات” مذكرة إلى الأحزاب السياسية المغربية، تتضمن مجموعة من المطالب المرتبطة بإصلاح مدونة الأسرة والقانون الجنائي، بما ينسجم مع مقتضيات دستور 2011، ويعزز حماية حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن.
وفي بلاغ لها توصل موقع المستقبل24 بنسخة منه، أوضحت الجمعية أن هذه المذكرة تستند إلى تجربة تمتد لأكثر من 20 سنة في مجال مواكبة الأمهات العازبات وأطفالهن، فضلا عن خلاصات التقرير الثاني حول العنف الصادر عن الائتلاف الجمعوي من أجل حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن بالمغرب لسنة 2025، والذي اعتمد على عينة تضم 1368 أما عازبة تمت مواكبتهن من طرف سبع جمعيات في ست مدن.
وأفادت الجمعية بأن المعطيات الميدانية توثق عددا من أشكال العنف القانوني والصحي والاقتصادي والاجتماعي التي تواجهها الأمهات العازبات وأطفالهن، معتبرة أن أي إصلاح لمدونة الأسرة والقانون الجنائي ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الإطار الدستوري لسنة 2011، مع الحفاظ على الحقوق الأساسية المكتسبة.
وتأسست جمعية “مئة بالمئة أمهات” سنة 2006 بمدينة طنجة، وتعمل، وفق المذكرة، على مواكبة الأمهات العازبات وأطفالهن وحمايتهن والدفاع عن حقوقهن، إلى جانب تحسيس الرأي العام والمؤسسات بالواقع الذي تعيشه الأسر أحادية الوالد، والترافع من أجل تطوير الإطار التشريعي المغربي بما يضمن الاعتراف بهذه الأسر والمساواة بين الأطفال بصرف النظر عن الوضعية العائلية لوالدتهم.
وذكرت الجمعية أنها واكبت، على مدى 20 سنة، أكثر من 4500 أم من خلال خدمات تشمل الإيواء والمواكبة القانونية والصحية والإدماج السوسيو مهني وغيرها. كما أصبحت منذ سنة 2022 عضوا مؤسسا، إلى جانب جمعية إنصاف والتضامن النسوي، في الائتلاف الجمعوي من أجل حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن بالمغرب.
وتشير المذكرة إلى معطيات وثقها الائتلاف خلال الفترة الممتدة من فاتح ماي 2024 إلى 30 أبريل 2025، حيث صرحت 93 في المئة من النساء المشمولات بالعينة بأن الحمل نتج عن علاقة جنسية رضائية، مع التأكيد على أن هذه المعطيات تخص النساء اللواتي تمت مواكبتهن من طرف الجمعيات المشاركة ولا تشكل تقديرا لمجموع الأمهات العازبات بالمغرب.
كما تستحضر الجمعية معطيات أبحاث ميدانية لجمعية إنصاف، تفيد بإحصاء أكثر من 210 آلاف أم عازبة خلال الفترة الممتدة بين 2003 و2009، بمعدل 24 طفلا متخلى عنه يوميا، إلى جانب معطيات محينة سنة 2015 حول وجود نحو 44 ألف طفل خارج إطار الزواج بجهة الدار البيضاء سطات خلال الفترة الممتدة بين 2004 و2014، مع تسجيل التخلي عن نحو 9400 طفل خلال الفترة نفسها.
وتورد المذكرة كذلك دراسة للجمعية المغربية لتنظيم الأسرة تعود إلى سنة 2016، تشير إلى إجراء ما بين 50 ألفا و80 ألف عملية إجهاض غير آمن سنويا بالمغرب لدى نساء تتراوح أعمارهن بين 15 و44 سنة، وربطت الدراسة الإجهاض غير الآمن بجزء من وفيات الأمهات والوفيات المرتبطة بالمضاعفات المباشرة بعد الولادة.
وبخصوص الحماية الاجتماعية، أوضحت الجمعية أن معطيات الائتلاف للفترة نفسها أظهرت أن 5.5 في المئة فقط من أصل 1368 أما عازبة تمت مواكبتهن استفدن من التغطية الصحية، فيما استفادت 4.75 في المئة من المساعدة الاجتماعية المباشرة. كما تم تحرير 132 محضرا مرتبطا بالفصل 490، بما يمثل 9.65 في المئة من العينة، بحسب المصدر ذاته.
وتستند الجمعية في مذكرتها إلى عدد من المرجعيات القانونية والحقوقية، من بينها دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما الفصول 19 و22 و32 و175، إضافة إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، وتوصيات لجنة سيداو، وتوصيات الاستعراض الدوري الشامل للمغرب، فضلا عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومنهاج عمل بيجين.
وفي هذا السياق، تعتبر الجمعية أن إصلاح مدونة الأسرة ينبغي أن يراعي التحولات التي عرفها الإطار الدستوري، مشيرة إلى أن مدونة الأسرة المعتمدة سنة 2004 تظل قانونا عاديا ضمن الهرم القانوني.
وتتمحور المطالب التي وجهتها “مئة بالمئة أمهات” إلى الأحزاب السياسية حول عدد من القضايا، من بينها الاعتراف بالنسب البيولوجي للأطفال المولودين خارج إطار الزواج، واعتماد الخبرة الجينية كدليل قانوني لإثبات النسب، إلى جانب مجانية التحاليل الجينية وإعطائها الأولوية في مساطر الاعتراف بالأبوة.
كما تطالب الجمعية بإلغاء الفصلين 490 و491 من القانون الجنائي، اللذين يجرمان العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، معتبرة، في مذكرتها، أن استمرار العمل بهما يطرح انعكاسات على وضعية الأمهات العازبات والأطفال، فضلا عن الدعوة إلى مراجعة الفصل 453 المتعلق بالإجهاض وتأطير إنهاء الحمل ضمن مدونة الصحة وفق شروط وآجال وكيفيات تتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية.
وتشمل المطالب كذلك تعزيز الحماية من العنف والمساس بالكرامة، وملاءمة القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء مع القانون الجنائي، إلى جانب تحسين التكفل بالنساء ضحايا العنف، وتطوير البنيات الصحية وتعزيز الموارد البشرية والمالية للجمعيات العاملة في هذا المجال.
وتدعو الجمعية أيضا إلى الاعتراف القانوني بالأسر أحادية الوالد، ولا سيما الأسر المكونة من أم عازبة وطفل أو أطفال، مع ضمان حماية قانونية واعتبار اجتماعي ومعنوي متساويين لجميع الأطفال، بصرف النظر عن وضعيتهم العائلية، فضلا عن مراجعة عدد من الإجراءات المرتبطة بالحالة المدنية والتسجيل المدرسي ووثائق السفر.
وفي ما يتعلق بالتخلي عن الأطفال، تقترح الجمعية وضع مسطرة مؤطرة للتخلي عن المواليد الجدد داخل مراكز الولادة وتحت المراقبة القضائية، مع استقاء إرادة الأم ومنحها أجلا للتفكير قبل وضع الطفل بشكل نهائي في مؤسسة للرعاية، وذلك بهدف الحد من حالات التخلي في ظروف خطيرة.
كما تركز المذكرة على الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للأمهات العازبات، حيث تشير إلى أن معطيات الائتلاف تفيد بأن 18 امرأة فقط، أي 1.5 في المئة، من أصل 1201 أم عازبة راشدة تمت مواكبتهن من طرف ثلاث بنيات خلال الفترة المدروسة، تمكن من الحصول على شغل مأجور مصرح به يخول الانخراط في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فيما ظلت الأغلبية ضمن الشغل غير المهيكل أو في وضعية بطالة.
وبحسب الجمعية، ترتبط هذه الوضعية بمجموعة من العوائق، من بينها ضعف التأهيل، والانقطاع المبكر عن الدراسة، والتمييز في التوظيف، والمسؤوليات الأبوية التي تتحملها الأم بمفردها، فضلا عن محدودية حلول رعاية الأطفال ذات الكلفة المناسبة.
وتقترح “مئة بالمئة أمهات” في هذا الجانب وضع استراتيجية وطنية للإدماج الاقتصادي للأمهات العازبات، وتسهيل ولوجهن إلى الشغل المهيكل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب تطوير شبكة الحضانات ودور الرعاية ومؤسسات التعليم الأولي، وإقرار تدابير لمناهضة التمييز في التوظيف القائم على الأمومة أو الوضعية العائلية.
كما تطالب الجمعية بمراجعة شروط الاستفادة من الحماية الاجتماعية بما يراعي الدخول الضعيفة وغير المستقرة ومسارات الهشاشة، وتبسيط المساطر الإدارية، وتعزيز آليات التغطية والتعويض، وأخذ وضعية الأمهات العازبات بعين الاعتبار ضمن السجل الاجتماعي الموحد.
وتدعو المذكرة أيضا إلى إدماج واقع الأسر أحادية الوالد ضمن السياسات العمومية المتعلقة بالسكن والتعليم والشغل ورعاية الأطفال والعدالة، مع الاعتماد على معطيات مفصلة حسب الجنس والسن والوضعية العائلية والمجال الترابي لتقييم أثر هذه السياسات.
وفي ما يتعلق بالانتخابات التشريعية المقبلة، تطلب جمعية “مئة بالمئة أمهات” من الأحزاب السياسية اتخاذ التزام علني ومكتوب بعدم اقتراح أو دعم أو التصويت على نصوص تشريعية أو تنظيمية مرتبطة بالأسرة أو القانون الجنائي تتعارض، بحسب الجمعية، مع مقتضيات دستور 2011، خاصة الفصول 19 و22 و32.
كما تطالب الأحزاب بترجمة هذه المطالب إلى عمل برلماني وحكومي، وإشراك جمعيات المجتمع المدني، ولا سيما الجمعيات المدافعة عن حقوق الأمهات العازبات وأطفالهن، في أشغال لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان خلال مراجعة مدونة الأسرة والقانون الجنائي.
وتدعو الجمعية أيضا إلى إجراء مشاورات مباشرة مع الأمهات العازبات وأطفالهن المعنيين بالإصلاحات قبل أي تصويت برلماني على النصوص ذات الصلة، فضلا عن دعم إنتاج ونشر المعطيات التي تسمح بتقييم آثار الإصلاحات على الأسر أحادية الوالد.
وتخلص المذكرة إلى أن الجمعية، وبعد 20 سنة من العمل الميداني، تعتبر أن مواصلة الإصلاحات التشريعية وتعزيز فعالية الحقوق والسياسات العمومية، خصوصا في مجال الحماية الاجتماعية، تظل من القضايا التي تستدعي مواصلة النقاش والتفاعل مع مختلف الفاعلين.
وأكدت جمعية “مئة بالمئة أمهات” أنها تظل رهن إشارة التشكيلات السياسية وباقي الفاعلين المعنيين بهذه الإصلاحات لمواصلة النقاش وتبادل المعطيات حول وضعية الأمهات العازبات وأطفالهن بالمغرب.

